لم يكن من قبيل المصادفة أن يختار الدكتور مسعود عمشوش إصدار طبعة ثانية، مزيدة ومنقحة، من كتابه (هنري دي مونفريد ومغامراته في البحر الأحمر وخليج عدن) في هذا التوقيت بالذات. فالكتاب لا يعود إلى مغامر فرنسي عاش في النصف الأول من القرن العشرين بدافع الحنين إلى الماضي، ولا يكتفي باستعادة شخصية أثارت الجدل بين الرحالة والبحارة والمؤرخين، وإنما ينطلق من سؤال يتجاوز مونفريد نفسه: هل يتكرر التاريخ في البحر الأحمر؟
هذا السؤال هو، في تقديري، أهم ما يميز الطبعة الثانية عن سابقتها، لأنه ينقل الكتاب من مجرد دراسة في التاريخ الثقافي إلى محاولة لفهم الحاضر في ضوء الماضي. فالمؤلف لا يقرأ الأحداث الجارية قراءة سياسية مباشرة، ولا يسقط الوقائع الراهنة على الماضي إسقاطًا تعسفيًا، بل يستثمر خبرته الطويلة في التاريخ الاستعماري للمنطقة ليبين أن البحر الأحمر ظل، منذ القرن السادس عشر، مسرحًا لصراعات تتغير فيها القوى المتنافسة، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة، وتظل المضائق والموانئ وطرق التجارة هي محور التنافس الدولي.
ومن هنا يكتسب الفصل الافتتاحي في الطبعة الثانية أهمية خاصة. فقد وسع المؤلف الإطار التاريخي الذي توضع فيه شخصية مونفريد، فلم يعد الصراع يبدأ مع بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين، وإنما يعود إلى لحظة التحول الكبرى التي أحدثها اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح، ومحاولتهم السيطرة على مدخل البحر الأحمر وإغلاق طرق التجارة التقليدية. وبهذا تصبح مغامرات مونفريد حلقة ضمن تاريخ طويل من التنافس على البحر الأحمر، لا حادثة منفصلة عنه.
هذه الإضافة المنهجية تمنح الكتاب بعدًا جديدًا؛ إذ يصبح مونفريد مدخلًا لقراءة تاريخ البحر الأحمر كله، وليس مجرد موضوع مستقل للدراسة.
ولا تقف الإضافات عند هذا الحد. فالطبعة الثانية تكشف بوضوح انتقال المؤلف من الاهتمام بالمغامرة الفردية إلى تحليل البنى الاقتصادية والسياسية التي أنتجتها. ففي الدراسة الجديدة حول الاقتصاد غير الرسمي في البحر الأحمر، يقدم المؤلف قراءة مختلفة لأنشطة مونفريد، مبينًا أن تهريب السلاح أو السلع لم يكن مجرد مغامرات شخصية، بل كان جزءًا من اقتصاد إقليمي معقد تشكل بفعل اتساع السواحل، وضعف الرقابة، وتعدد السلطات، وتشابك المصالح الاستعمارية والمحلية. وبهذا تتحول شخصية مونفريد من بطل روائي منفرد إلى عنصر داخل شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية.
ومن أبرز الإضافات أيضًا أن المؤلف لم يعد يكتفي بإعادة إنتاج الصورة الرومانسية التي صنعها مونفريد لنفسه، بل يخضعها لمراجعة نقدية صارمة. فهو يعرض ما توصلت إليه دراسات ما بعد الاستعمار، ولا سيما أبحاث الباحثين في القرن الإفريقي، التي ترى في مونفريد أكثر من مجرد رحالة أو كاتب مغامرات، وتربطه بشبكات تجارة السلاح والاقتصاد الاستعماري، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة التمييز بين الوقائع الموثقة والروايات التي لا تزال بحاجة إلى أدلة تاريخية مستقلة.
وتبدو هذه الروح النقدية أكثر وضوحًا في الفصل المخصص لخطاب ما بعد الاستعمار، حيث يعيد المؤلف قراءة نصوص مونفريد بوصفها جزءًا من الخطاب الاستشراقي والإمبريالي الأوروبي، مستفيدًا من أطروحات إدوارد سعيد، ومن الدراسات الحديثة، وفي مقدمتها أطروحة الباحث الجيبوتي عبد الرحمن جود بركات، التي تكشف الصورة التي رسمها مونفريد لشعوب القرن الإفريقي، وتضعها في سياقها الفكري والاستعماري.
ومن الجوانب التي تستحق الإشادة أن المؤلف لا يقع في فخ الإدانة أو التمجيد. فهو لا يقدم مونفريد بطلًا أسطوريًا كما فعل كثير من الناشرين الفرنسيين، ولا يحوله إلى شخصية شيطانية، وإنما يصر على قراءته بوصفه شخصية تاريخية معقدة تجمع بين البحار والمغامر والكاتب والتاجر، وتستوجب الموازنة بين السيرة الذاتية والوثيقة التاريخية، وبين الرواية والواقع.
أما الجزء الثاني من الكتاب، الذي يضم ترجمات مختارة من أعمال مونفريد، فلا يمثل مجرد ملحق للنصوص الفرنسية، بل يشكل امتدادًا للمشروع البحثي الذي ينجزه عمشوش منذ سنوات. فالترجمات جاءت مصحوبة بدراسات تمهد لفهمها، كما ألحقت بها وثائق ودراسة عن الموقف الفرنسي من الاحتلال البريطاني لعدن سنة 1839، ووثائق تتعلق بالمشروع الفرنسي في الجزيرة العربية، الأمر الذي يجعل الكتاب يجمع بين البحث التاريخي والترجمة الوثائقية في عمل واحد.
ويحسب للمؤلف أيضًا أنه لا يتعامل مع التاريخ بوصفه أرشيفًا مغلقًا، بل بوصفه مادة للتفكير في الحاضر. فهاجسه البحثي يتجلى في قدرته على التفاعل مع ما يدور في محيطه، دون أن يقع في أسر اللحظة أو الخطاب السياسي المباشر. ولهذا جاءت الإضافة المتعلقة بربط تاريخ البحر الأحمر الطويل بما يشهده اليوم من تنافس دولي إضافةً منهجية تمنح الكتاب راهنيته، وتجعله يتجاوز حدود التأريخ لشخصية مونفريد إلى مساءلة الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر القرون.
إن هذه الطبعة الثانية لا تمثل مجرد مراجعة شكلية أو إضافة لبعض الصفحات، وإنما تعكس تطورًا واضحًا في رؤية المؤلف ومنهجه. فقد اتسع أفق الكتاب من دراسة سيرة مغامر فرنسي إلى قراءة نقدية لتاريخ البحر الأحمر، وللاقتصاد غير الرسمي، وللخطاب الاستعماري، ولعلاقة الوثيقة بالسرد، وللصلة بين الماضي والحاضر.
ولعل القيمة الأبرز لهذا العمل تكمن في أنه يذكر القارئ بأن البحر الأحمر ليس مجرد مسطح مائي يفصل بين قارتين، بل فضاء تاريخي ظل عبر القرون مركزًا للتجارة والتنافس الإمبراطوري والتبادل الحضاري. ومن هنا
تأتي أهمية هذا الكتاب بوصفه مساهمة عربية جادة في دراسة إحدى أكثر مناطق العالم حساسية، في وقت عاد فيه البحر الأحمر وخليج عدن إلى صدارة الاهتمام الدولي، وكأن التاريخ، وإن لم يكرر نفسه حرفيًا، يعيد إنتاج كثير من أسئلته الكبرى في صور جديدة.