لم تكن الفعالية التأبينية التي احتضنتها العاصمة عدن لتخليد مسيرة الأديب والصحفي والكاتب المسرحي الراحل سعيد عولقي مجرد مناسبة بروتوكولية، بل جاءت في مجملها عملاً يليق بقامة ثقافية ووطنية تركت بصمتها في وجدان أجيال متعاقبة. فقد أُحسن إعداد الحفل، وتنوعت فقراته، وتوالت الكلمات التي استحضرت مناقب الفقيد وإسهاماته، كما عكست الحشود التي حضرت حجم المحبة والاحترام اللذين حظي بهما في حياته وبعد رحيله.
ولعل أجمل ما في هذه الفعالية أنها أعادت إلى الواجهة اسم أحد أهم المبدعين الذين أنجبتهم عدن، وقدمت رسالة وفاء مستحقة لرجل أفنى عمره في خدمة الثقافة والفكر والكلمة.
لكن النجاح التنظيمي، مهما كان كبيرًا، لا يمنع من الوقوف أمام ملاحظة جوهرية شابت الفعالية، وهي الملاحظة التي لا تتعلق بالحفل نفسه، وإنما بالمادة الفيلمية التي عُرضت لتوثيق سيرة الراحل.
ذلك الفيلم، بكل ما احتواه من جهد، لم ينصف سعيد عولقي كما عرفه التاريخ، بل اختزل سيرته في المسرح، وكأن الرجل لم يكن قبله صحفيًا، ولم يعش معه أكثر من ستة عقود من عمره.
وهنا يكمن مأخذنا.
ليس من الإنصاف أن يُختزل تاريخ رجل بحجم سعيد عولقي في فصل واحد من حياته، مهما كان ذلك الفصل لامعًا ومؤثرًا. فالوفاء للمبدعين لا يكون بإعادة كتابة سيرتهم وفق رؤية معدّ فيلم وثائقي، وإنما بتقديمها كما صنعها أصحابها، كاملةً، دون بتر أو انتقاء.
لقد قدّم الفيلم سعيد عولقي وكأنه وُلد على خشبة المسرح، وعاش للمسرح، ورحل من المسرح، بينما غابت هويته الأولى والأعمق: الصحافة.
وهذه ليست مجرد هفوة في الإعداد، بل خطأ في التوثيق، لأن الفيلم الوثائقي ليس فقرة احتفالية عابرة، وإنما وثيقة ستبقى مرجعًا لمن لم يعرف سعيد عولقي، وربما تكون المصدر الوحيد الذي سيستند إليه كثير من أبناء الأجيال القادمة.
سعيد عولقي دخل عالم الصحافة عام 1965، يوم كانت الكلمة مسؤولية، وكانت الصحافة تصنع الوعي وتقود الرأي العام. ومنذ ذلك التاريخ أصبح واحدًا من أبرز الأقلام الصحفية في عدن واليمن، وكتب في مختلف الفنون الصحفية، ونشرت أعماله في صحف ومجلات عديدة، حتى ذاع صيته كصحفي محترف قبل أن يعرفه الناس ككاتب مسرحي.
وحين خاض تجربته المسرحية في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن يبدأ من فراغ، بل كان قد صنع اسمه بالفعل في عالم الصحافة، وأصبح صاحب قلم راسخ وتجربة ناضجة. فجاء المسرح امتدادًا لذلك القلم، لا بدايةً له.
لكن الفيلم قلب هذه الحقيقة رأسًا على عقب.
فقد تصدرت التجربة المسرحية المشهد، بينما مرت التجربة الصحفية مرورًا باهتًا لا يتناسب مع حجمها ولا مع امتدادها الزمني ولا مع أثرها الكبير. بل إن الفيلم استحضر وجوهًا رافقته في المسرح، وغيّب، أو كاد، أولئك الذين رافقوه في رحلة الصحافة، وهم شركاء مرحلة صنعت اسم سعيد عولقي ورسخت مكانته في الوعي الثقافي والإعلامي.
وكأن الرجل لم يكن صحفيًا يومًا.
وكأن أكثر من ستين عامًا من العمل الصحفي يمكن أن تُختزل في دقائق معدودة، أو تُترك خارج عدسة التوثيق.
إن هذا الاختزال لا يظلم سعيد عولقي وحده، بل يظلم الصحافة العدنية نفسها، لأن الحديث عن سعيد عولقي الصحفي هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ الإعلام في عدن، وعن مدرسة مهنية تخرج منها كثير من الكتّاب والإعلاميين الذين تتلمذوا على تجربته أو تأثروا بها.
لقد ظل سعيد عولقي صحفيًا حتى آخر أيام حياته. لم يغادر صاحبة الجلالة، ولم يتخلَّ عن قلمه، بل ظل يكتب ويحلل وينتقد، مواكبًا للتحولات السياسية والثقافية، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة هي أبقى من الضجيج، وأقوى من الزمن.
ولهذا فإن تقديمه بوصفه مسرحيًا أولًا، ثم المرور العابر على تجربته الصحفية، ليس مجرد خلل في ترتيب الأحداث، بل اختلال في ميزان الحقيقة التاريخية.
لسنا هنا بصدد التقليل من قيمة المسرح في حياة الراحل، فمسرحياته ستظل علامات مضيئة في تاريخ المسرح اليمني، ولا سيما أعماله التي حملت نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا عميقًا. لكن المسرح كان أحد تجليات سعيد عولقي، أما الصحافة فكانت هويته الأولى، ومشروع عمره، والرافعة التي انطلقت منها بقية تجاربه الإبداعية.
إن نقدنا هنا ليس موجهًا إلى اللجنة المنظمة، ولا إلى النجاح الذي حققته الفعالية، بل إلى القائمين على إعداد المادة الوثائقية، لأن مسؤولية التوثيق تفرض عليهم أن يقدموا الحقيقة كاملة، لا أن ينتقوا منها ما يشاؤون. فالمبدعون لا يُكرَّمون بتجميل سيرتهم، وإنما بإنصافها.
وحين يخطئ التوثيق، فإنه لا يخطئ في حق شخص راحل فحسب، بل يخطئ في حق التاريخ أيضًا.
كان من حق سعيد عولقي أن يخرج من تلك الشاشة كما عرفه الناس: صحفيًا كبيرًا حمل هموم المجتمع بقلمه منذ عام 1965، ثم أديبًا، ثم كاتبًا مسرحيًا أضاف إلى رصيده الإبداعي إنجازات لا تُنسى، لا أن يُقدَّم في صورة مقلوبة توحي بأن الصحافة كانت هامشًا في حياته.
لقد غاب سعيد عولقي في الفيلم صحفيًا... وحضر مسرحيًا.
أما الحقيقة، التي يعرفها أبناء جيله، وزملاؤه، وقراؤه، وتلاميذه، فهي أن الصحافة كانت قلب تجربته، وأن المسرح كان أحد فروعها الوارفة.
ولأن الوفاء الحقيقي لا يختزل حياة العظماء، فإن أقل ما يستحقه سعيد عولقي اليوم هو أن يُروى تاريخه كما عاشه، لا كما أراده مخرج فيلم أو معدّ مادة وثائقية. فالتاريخ لا يكتبه الانطباع، بل تصنعه الحقيقة، والحقيقة تقول إن سعيد عولقي كان صحفيًا كبيرًا قبل أن يكون مسرحيًا كبيرًا، وظل صحفيًا حتى آخر سطر كتبه، وآخر نبضة في قلبه.