دخل التصعيد بين السعودية وجماعة الحوثيين مرحلة أكثر خطورة، بعد نحو أربعة أعوام من التهدئة غير الرسمية التي أعقبت انتهاء الهدنة الأممية في أكتوبر 2022. وخلال أسابيع قليلة، انتقلت المواجهة من أزمة مرتبطة بالرحلات الإيرانية إلى مطار صنعاء إلى هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت ومناطق داخل السعودية، واستهداف سفن مرتبطة بالمملكة، وضربات متبادلة داخل اليمن، قبل أن تتسع العمليات مجددًا في مأرب وحضرموت والساحل الغربي وباب المندب.
وبدأت الجولة الحالية بعد منع رحلة إيرانية غير مصرح بها من الوصول إلى صنعاء، ثم قصف مدرج المطار في 13 يوليو، وهو ما دفع الحوثيين إلى استئناف هجماتهم على السعودية ورفع مستوى التهديد للملاحة في البحر الأحمر. وفي 20 يوليو، أعلنت الجماعة ما وصفته بـ«حظر بحري» على السعودية، قبل أن تتبنى خلال الأيام التالية هجمات على سفن ومنشآت نفطية في جيزان وينبع، فيما ردت السعودية بضربات على مواقع خاضعة لسيطرة الحوثيين.
لكن التصعيد أخذ منحى أشد منذ 6 أغسطس، عندما قُتل ما لا يقل عن 60 جنديًا من قوات الطوارئ اليمنية المدعومة من السعودية في هجمات حوثية استهدفت مواقع ومعسكرات في مأرب وحضرموت، فيما أُصيب 11 مدنيًا في منطقة نجران السعودية في هجمات قالت الرياض إن الحوثيين نفذوها. وبعد ثلاثة أيام، قُتل سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة مدنيين، وأُصيب 30 آخرون في هجوم واسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مدينة المخا، بالتزامن مع حريق في مصفاة أرامكو في جيزان عقب هجوم حوثي بطائرة مسيّرة، قالت السعودية إنها تمكنت من إخماده من دون وقوع إصابات.
وفي المقابل، وسعت القوات الحكومية والقوى المناهضة للحوثيين ردودها العسكرية. ففي 8 أغسطس، أعلنت وزارة الدفاع تنفيذ عملية استهدفت مواقع وقدرات حوثية في عدة محاور على امتداد خطوط التماس، بالتزامن مع ضربات لقوات دفاع شبوة في جبهة حريب ردًا على هجمات الحوثيين، وقصف مراكز قيادة وتحصينات حوثية جنوب الحديدة. وبرز خلال هذه العمليات ماجد عبدالله النزيلي بوصفه الناطق الرسمي الجديد للقوات الحكومية.
وامتد التصعيد إلى البحر في 11 أغسطس، عندما قُتل أربعة من أفراد طاقم سفينة الشحن (Tihamah) في هجوم أثناء عبورها مضيق باب المندب، فيما قتل اثنين وأصيب ثلاثة من خفر السواحل خلال عملية إنقاذ الطاقم. ونسبت السلطات اليمنية الهجوم إلى الحوثيين. ورغم هذا التصعيد، لم تتحول المواجهة حتى الآن إلى حرب مفتوحة على غرار السنوات الأولى من النزاع. ويناقش هذا التقرير دوافع التصعيد الحالي ومدى ارتباطه بالمواجهة الإقليمية مع إيران، والأهداف التي يسعى الحوثيون إلى تحقيقها من الضغط العسكري على السعودية والحكومة اليمنية التي يتواجد أغلب أعضائها في الرياض.
أسباب التصعيد الحالي
لا تبدو أزمة الرحلات الإيرانية إلى مطار صنعاء سببًا كافيًا لتفسير الجولة الحالية من التصعيد، بقدر ما كانت شرارة أعادت فتح خلافات أوسع العديد من الملفات والتفاهمات الأولية بين السعودية والحوثيين ضمن ما يعرف بـ (خارطة الطريق)، وحدود العلاقة بين الحوثيين والسعودية بعد سنوات من التهدئة.
لكن السياق الإقليمي يبدو أيضًا مدخلًا منطقيًا لتفسير أفعال الحوثيين، حيث تبدو إيران أكثر المستفيدين اليوم من التصعيد ضد الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي.
وفي هذا الصدد، قال الصحفي سلمان المقرمي لمركز سوث24 إن إيران والحوثيين سعيا إلى إعادة تفعيل ورقة باب المندب باعتبارها إحدى نقاط الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، واختبار ما إذا كانت «وحدة الساحات» بين إيران وحلفائها يمكن أن تنطبق على الحوثيين في مواجهتهم مع السعودية والحكومة اليمنية. وأضاف أن طهران أرادت من خلال التصعيد اختبار قدرة الرياض على التعامل مع المتغيرات الإقليمية الأخيرة.
ويتفق الخبير العسكري العقيد محسن ناجي مسعد مع هذا التقدير، ويرى أن الحوثيين يتحركون ضمن المسار السياسي والعسكري الذي تنتهجه إيران عبر الجماعات الموالية لها في المنطقة. ووصف في حديثه لمركز سوث24 هذا التنافس على الممرات البحرية بأنه «حرب مضايق» تمتد من هرمز إلى باب المندب، معتبرًا أن استهداف الملاحة المرتبطة بالسعودية يهدف إلى الضغط على صادرات الطاقة وإحداث أثر يتجاوز حدود اليمن.
ويضاف إلى العامل الإقليمي متغير داخلي مهم تمثل في التحولات التي شهدها جنوب اليمن منذ ديسمبر 2025، بما في ذلك قصف القوات الجنوبية وانسحابها من حضرموت الغنية بالنفط، وما رافق ذلك من تفكك الصيغة السابقة للتحالف الذي جمع السعودية والإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي، ثم إعادة الرياض تشكيل المعسكر المناهض للحوثيين بشكل حصري وانفرادي منذ بداية العام.
ورقة تحليلية: أحداث حضرموت أعادت تشكيل الأمن والتوازنات السياسية في جنوب اليمن
ومن هذه الزاوية، قد يكون الحوثيون قد رأوا في انقسام خصومهم فرصة، وفي إعادة السعودية بناء جبهة داخلية أكثر ارتباطًا بها تهديدًا في الوقت نفسه، لا سيما مع تزايد الاعتماد السعودي على القوى السلفية وتمكينها من مفاصل الحكومة والمؤسسات العسكرية والأمنية، وهو ربما سبب مهم دفع الحوثيين إلى رفع مستوى الضغط قبل اكتمال هذه الترتيبات السعودية.
ويرى الباحث السياسي سعيد عبيد الجمحي، أن القرار الحوثي مرتبط بدرجة كبيرة بالحسابات الإيرانية، وأن طهران تستخدم الجماعة كورقة ضغط منخفضة الكلفة وعالية التأثير، مستفيدة من موقعها على البحر الأحمر وباب المندب. وأضاف لمركز سوث24 أن الحوثيين يسعون إلى تعزيز حضورهم الإقليمي ورفع وزنهم في معادلة الردع، إلى جانب الضغط على السعودية للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية في أي مفاوضات مقبلة.
تصعيد محسوب أم بداية حرب؟
رغم ارتفاع مستوى الهجمات والردود، لا تزال المواجهة أقرب إلى تصعيد محسوب منها إلى قرار بحرب شاملة، لكن هامش السيطرة عليها أصبح أضيق مع اتساع نطاق العمليات وارتفاع كلفتها.
ويرى سلمان المقرمي إن إيران والحوثيين يريدان إبقاء التصعيد ضمن حدود محسوبة، لكنه قابل للتطور تبعًا للأحداث. وأضاف أن استهداف المنشآت الحيوية ومصادر الإيرادات قد يدفع المواجهة إلى مستوى أعلى، رغم أن السعودية طورت أدواتها الدفاعية وآلياتها في التعامل مع التهديدات الحوثية والإيرانية.
ويتفق العقيد محسن ناجي مسعد مع هذا التقدير، ويصف التصعيد بأنه أقرب إلى مواجهة محسوبة تحركها اعتبارات إقليمية وتهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك ورفع سقف الضغوط السياسية والعسكرية. لكنه يحذر من أن أخطاء الحسابات أو تجاوز الخطوط الحمراء قد تقود إلى مواجهة أوسع ذات كلفة كبيرة على اليمن والسعودية وأمن الطاقة والملاحة.
أما سعيد عبيد الجمحي، فيرى أن الحوثيين يدركون أن الحرب الشاملة مع السعودية ستكون مكلفة، ولذلك يرجح أن تظل العمليات أداة للضغط وانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية ضمن حالة «اللا حرب واللا سلم». ويعتبر أن عدم إحداث العقوبات والضربات السابقة تحولًا جوهريًا في سلوك الجماعة عزز ثقتها بقدرتها على استخدام القوة والملاحة والطاقة في تحسين موقعها التفاوضي.
ومع ذلك، فإن اتساع دائرة الاستهداف يجعل استمرار هذا التوازن أكثر صعوبة؛ فكل ضربة ترفع احتمالات رد أوسع، فيما قد يكون سقوط أعداد كبيرة من الضحايا أو إصابة هدف استراتيجي كافيًا للانتقال من التصعيد المحسوب إلى مواجهة يصعب ضبطها.