تتجدد أزمة الغاز في العاصمة عدن والمحافظات المحررة بصورة تثير تساؤلات واسعة حول أسباب استمرارها، رغم مرور سنوات على تكرار المشكلة وتعدد الاجتماعات والاتفاقات والمعالجات التي أعلنتها الحكومة والجهات المختصة.
ويكشف هذا التكرار أن الإجراءات المتخذة لم تتمكن من معالجة جذور الأزمة، بل ظلت في معظمها مؤقتة، سرعان ما تنتهي لتعود معها الطوابير ومعاناة المواطنين.
ويضع استمرار الأزمة الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، باعتبارها الجهة المعنية بضمان استقرار الخدمات والسلع الأساسية ووضع السياسات التي تمنع الاختناقات في التموين فبعد سنوات من تكرار أزمة الغاز، لم يعد منطقياً التعامل معها باعتبارها ظرفاً طارئاً، خصوصاً أن مكامن الخلل أصبحت معروفة للجهات المسؤولة، وأن الحاجة باتت واضحة إلى حلول مستدامة بدلاً من المعالجات المؤقتة.
وحسب مصادر مطلعة إن اتفاق جرى بين وزارة النفط والسلطة المحلية في عدن يكشف جانباً مهماً من تفاصيل الأزمة، إذ جرى الاتفاق على تخصيص أربع مقطورات يومياً للغاز المنزلي وعشر مقطورات للغاز التجاري للعاصمة عدن، بما يلبي جزءاً من احتياجات السوق ويضمن استقرار التموين. غير أن الالتزام بهذا الاتفاق، بحسب البيانات والأرقام المتداولة، لم يستمر أكثر من أسبوع، قبل أن تبدأ الكميات الفعلية بالانخفاض مجدداً.
وتوضح بيانات شركة النفط أن إجمالي ما وصل إلى عدن خلال شهر يوليو بلغ 304 مقطورات، أي بمعدل يقارب عشر مقطورات يومياً، وهو رقم يقل بنحو أربع مقطورات يومياً عن الكمية التي كان يفترض أن تصل وفق التخصيص المعلن، فضلاً عن وجود فجوة إضافية بين الكميات الواردة والاحتياج الفعلي للسوق.
وتكشف هذه الأرقام أن الاتفاق لم يتحول إلى التزام مستمر، وإنما ظل تنفيذه محدوداً زمنياً، الأمر الذي يطرح سؤالاً مباشراً: من الذي أوقف الالتزام بالكمية المتفق عليها، ولماذا؟ وهل جرى تعديل الاتفاق بصورة رسمية، أم أن الكميات بدأت تتراجع دون إعلان واضح من الجهة المسؤولة؟
وتزداد علامات الاستفهام مع بداية شهر أغسطس، حيث تراجعت الكميات التي تصل إلى عدن ـ وفق المعطيات المطروحة ـ إلى أربع مقطورات فقط يومياً، وهي كمية لا تغطي الاحتياج الطبيعي للعاصمة، كما أنها تمثل انخفاضاً كبيراً مقارنة بالكمية التي كان يفترض تخصيصها وفق الاتفاق
وتعزي الشركة في بيانها النقص إلى أعمال الصيانة.
وتضع هذه الأرقام الحكومة وشركة الغاز أمام ضرورة تقديم تفسير واضح للرأي العام، خصوصاً أن الحديث عن نقص التموين بسبب الصيانة أو التقطعات لا يجيب وحده عن سؤال جوهري يتعلق بالكميات التي كانت تصل إلى عدن قبل تلك الظروف، ولا يفسر سبب عدم استمرار الاتفاق الذي أدى إلى تحسن نسبي في السوق خلال الفترة التي تم الالتزام فيه بالتموين.
وتفتح هذه الفجوة بين الكميات المخصصة والكميات الفعلية الباب أمام فرضية وجود خلل في إدارة عملية التوزيع، سواء كان ذلك نتيجة سوء تخطيط أو تضارب في الصلاحيات أو قرارات غير معلنة بشأن إعادة توزيع الكميات. ولا يمكن الجزم بوجود تعمد أو افتعال إلا من خلال تحقيق رسمي وبيانات تفصيلية، إلا أن استمرار الفجوة دون تفسير واضح يعزز شكوك المواطنين ويجعل الملف بحاجة إلى شفافية أكبر.
وتطرح الأزمة كذلك سؤالاً أوسع بشأن اعتماد المحافظات المحررة بدرجة كبيرة على مصدر واحد للغاز، إذ إن أي خلل في الإنتاج أو النقل أو التوزيع ينعكس مباشرة على السوق المحلية.
ويجعل هذا الاعتماد منظومة التموين عرضة للانقطاع، ما يستدعي تنويع مصادر الإمداد وفتح خيارات الاستيراد وتوفير مخزون استراتيجي يغطي الاحتياجات خلال فترات الطوارئ.
وتكشف أزمة عدن أهمية إعادة تنظيم العلاقة بين شركة الغاز والسلطات المحلية، خصوصاً في ما يتعلق بتحديد الحصص ومراقبة عمليات التوزيع وتشغيل محطات التعبئة والطرمبات. ويؤدي غياب البيانات الدقيقة حول الكميات الداخلة والمخصصة والموزعة إلى صعوبة تقييم الأداء وتحديد الجهة المسؤولة عن أي نقص.
وتطالب أصوات محلية بدراسة فصل احتياجات قطاع النقل عن الغاز المنزلي، من خلال فتح باب استيراد الغاز المخصص لوسائل النقل والمواصلات، مع تخصيص الغاز القادم من مأرب بصورة أكبر للاستخدام المنزلي. ويمكن أن يساهم هذا الخيار في تخفيف الضغط على الكميات الموجهة للأسر إذا تم تطبيقه ضمن آلية رقابية تمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
وتفرض هذه التطورات على الحكومة نشر كشف يومي أو أسبوعي يوضح الكميات التي تم تخصيصها لكل محافظة، والكميات التي غادرت المصدر، والكميات التي وصلت فعلياً، والجهة التي قامت بتوزيعها. فمثل هذه البيانات كفيلة بكشف موضع الخلل، سواء كان في الإنتاج أو النقل أو التوزيع، وإنهاء حالة الجدل التي تتكرر مع كل أزمة.
وتحذر هذه الصورة من أن استمرار الأزمات الخدمية يضر بالثقة العامة بالمؤسسات، كما يوفر مساحة لاستثمار معاناة المواطنين سياسياً وإعلامياً. ويعتقد مراقبون أن تكرار الأزمات في المحافظات المحررة يمكن أن يخدم الحوثيين دعائياً، من خلال استغلال الطوابير وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات لتوجيه رسائل سلبية تجاه الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي.
وتفرض أزمة الغاز الحالية على الحكومة الانتقال من سياسة المعالجة المؤقتة إلى سياسة واضحة تقوم على الالتزام بالحصص المعلنة، وتوفير مخزون استراتيجي، وتنويع مصادر الإمداد، وتحديد الصلاحيات، وإخضاع عمليات التوزيع والتمويل للرقابة والشفافية.
وتضع أرقام يوليو وبداية أغسطس الحكومة أمام اختبار حقيقي؛ فإذا كان التخصيص المتفق عليه هو أربع مقطورات منزلية وعشر مقطورات تجارية يومياً، ثم وصل إلى عدن في يوليو 304 مقطورات فقط، قبل أن ينخفض التموين إلى أربع مقطورات يومياً في أغسطس، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بوجود أزمة من عدمها، وإنما أصبح متعلقاً بمن يقرر الكميات، ولماذا لا يتم الالتزام بالتخصيص، وأين تذهب الكميات التي يفترض أن تصل إلى العاصمة؟
ويؤكد ذلك أن أزمة الغاز بحاجة إلى أكثر من بيانات تبريرية، فهي تحتاج إلى كشف كامل لمسار الكميات من المصدر إلى المستهلك، والتحقيق في أسباب عدم تنفيذ الاتفاق، وتحديد المسؤولية عن الفجوة بين التخصيص والاحتياج والتموين الفعلي، لأن استمرار الأزمة دون إجابات واضحة سيبقي فرضية الافتعال أو سوء الإدارة قائمة، إلى أن تكشف الجهات المختصة الحقائق بالأرقام والوثائق.