قراءة متأنية لما كتبه الزميل صلاح بن لغبر تكشف أن منشوره لم يكن مجرد توضيح لسبب اختياره «الاستراحة»، ولا مجرد رد عابر على من سألوا عن غيابه، بل حمل في طياته رسالة سياسية وأخلاقية شديدة اللهجة، أراد من خلالها أن يضع حدًا واضحًا للتأويلات التي ذهبت إلى أن صمته قد يكون مقدمة لـ«بنكسة» أو تراجع عن مواقفه.
ومن بين سطور الرسالة يمكن التوقف أمام عدد من الدلالات المهمة.
1. الاستراحة ليست تراجعًا.. بل ابتعاد عن مشهد ملغوم
يبدأ صلاح بالتأكيد على أن قراره بالصمت جاء بإرادته، وأن لديه أسبابًا خاصة لا يرى أنه ملزم بمشاركتها مع أحد.
وهذه نقطة مهمة؛ فهو لا يقول إنه فقد قناعته، ولا يعلن تراجعًا عن مواقفه، وإنما يقول ببساطة: أحتاج إلى استراحة، وهذه الاستراحة شأن شخصي.
لكن يبدو أن ما أثار غضبه هو أن البعض لم يكتفِ باحترام صمته، بل حاول تفسيره سياسيًا، وربطه بما يسميه هو «البنكسة».
ومن هنا انتقل من الدفاع عن حقه في الصمت إلى الدفاع عن تاريخه وموقفه.
2. «البنكسة» هي القضية الحقيقية في الرسالة
ربما يكون أقوى ما في المنشور ليس الحديث عن الاستراحة، وإنما الرد على الذين افترضوا أن الصمت مقدمة لتغيير الموقف.
صلاح يقول لهم، بصورة تكاد تكون صادمة: لا تقيسوني على من تغيروا عندما تغيرت الظروف.
ويستحضر نماذج لمن تصدروا الصفوف سنوات ثم تراجعوا عند أول اختبار، ومن باعوا تاريخهم بمبررات مختلفة، ومن وقفوا في المنتصف انتظارًا لما ستؤول إليه الكفة.
وهنا تتحول «البنكسة» من مجرد توصيف سياسي إلى موقف أخلاقي؛ إذ يرى صلاح أن تغيير الموقف بعد سنوات من الثبات والتضحيات لا يمكن اختزاله دائمًا في مفهوم «الواقعية السياسية»، فقد يكون في بعض الحالات تنازلًا عن التاريخ والمبدأ.
3. مرارة واضحة تجاه مشهد سياسي وإعلامي جديد
بين السطور تبدو مرارة صلاح واضحة تجاه ما يراه تحولًا في خطاب بعض أبناء الصف نفسه، ممن يعتقد أنهم أصبحوا أدوات لتجميل صورة خصوم الأمس.
ولهذا جاءت إشاراته إلى «الجروبات» و«التوجيهات» و«استفزاز الناس» و«تلميع الخصوم» بهذه الحدة.
فهو يرسم، من وجهة نظره، أسوأ صورة يمكن أن يصل إليها الكاتب: أن يتحول القلم من وسيلة للتعبير عن قضية يؤمن بها إلى أداة للمناكفة أو التشويه أو التلميع، سواء بدافع التوجيه أو المقابل.
وهنا ربما يكمن جوهر المنشور كله:
ماذا يبقى من قيمة القلم إذا فقد صاحبه حريته في أن يقول ما يؤمن به؟
4. استحضار الشهداء ليس مجرد عاطفة
عندما يستعيد صلاح أسماء رفاقه الذين يصفهم بأنهم دفعوا دماءهم وحياتهم في هذا الطريق، فهو لا يفعل ذلك لمجرد استحضار الماضي.
إنه يقول بصورة مباشرة: لا أستطيع أن أغير موقفي وكأن شيئًا لم يحدث.
بالنسبة إليه، القضية ليست منشورات تُكتب ثم تُنسى، ولا هاشتاجات تتغير بتغير الظروف؛ هناك رفاق سقطوا، ودماء، وذاكرة، وتاريخ شخصي يعتقد أنه ملزم بالوفاء له.
ولهذا تبدو عبارته:
«أنا رفيق رجال دفعوا دماءهم وحياتهم في هذا الطريق»
من أكثر العبارات دلالة على منطقه الداخلي؛ فهي تفسر جانبًا كبيرًا من غضبه من فكرة أن يتحول القلم إلى اتجاه يناقض ما آمن به وكتب من أجله سنوات طويلة.
5. «فخامة العليمي» وهاشتاج «عادت الدولة».. ماذا يريد أن يقول؟
حين يطرح صلاح تساؤلات من قبيل: «أكتب فخامة العليمي؟ أروّج أخباره؟ أشارك في هاشتاج عادت الدولة؟»، فهو لا يناقش الأشخاص فقط، وإنما يناقش المعنى الذي يريد أن يحمله قلمه.
هو يرفض أن يتحول القلم الذي كان جزءًا من خطاب سياسي معين إلى أداة لتسويق خطاب يرى أنه يتناقض مع تاريخه ومواقفه.
وبمعنى آخر، يقول:
إذا كان ثمن العودة إلى الكتابة هو أن أكتب ضد قناعتي، فالصمت عندي أشرف.
وهذه ربما تكون الرسالة الأوضح في المنشور كله.
6. رسالة إلى «ضعاف النفوس» وأصحاب التبريرات
صلاح لا يخاطب خصومه فقط، بل يوجه كلامه أيضًا إلى من أصبحوا يبررون تحولاتهم السياسية بمفردات مثل: «الواقعية»، و«المرحلة»، و«تغير الظروف»، و«المصلحة»، و«الضرورة».
وهو لا ينكر أن الظروف تتغير، لكنه يضع خطًا فاصلًا بين تغيير التكتيك وبين بيع المبدأ.
ومن هنا تبرز عبارته اللافتة:
«الأسماء تتغير والمراحل تتبدل، لكن البيع يبقى بيعًا.»
وهي، في تقديري، من أكثر عبارات المنشور اختصارًا لفلسفته في الموقف السياسي.
7. لكنه يترك باب العودة مفتوحًا
بعد كل هذه الحدة، يعود صلاح في نهاية رسالته إلى أصل الموضوع، فيقول للمحبين إن الأمر «استراحة لا أكثر».
وهنا ينبغي التوقف.
فهو لم يقل إنه انتهى، ولم يعلن تخليه عن قناعاته، ولم يقل إنه انسحب من القضية، وإنما اختار الابتعاد عن الكتابة مؤقتًا.
والأهم أنه يربط ذلك أيضًا بخشيته من فتنة مذهبية قادمة، لا يريد لقلمه أن يكون وقودًا لها.
وهذا يفتح قراءة أخرى للاستراحة: ربما لا تكون تعبيرًا عن إحباط من القضية، بقدر ما هي قرار واعٍ بالابتعاد عن مرحلة يرى أنها شديدة الحساسية، حتى لا يجد نفسه جزءًا من صراع لا يريد أن يكون طرفًا فيه.
8. القضية أكبر من الأشخاص
ربما تكون أكثر نقاط المنشور نضجًا تلك التي يفصل فيها صلاح بين الأشخاص والقضية.
فهو يقول، بصورة واضحة، إن صلاح أو غيره ليس هو القضية؛ يذهب هذا الشخص ويأتي آخر، بينما القضية أكبر من الجميع.
وهذه رسالة تستحق التوقف عندها:
لا ينبغي أن تصبح قضية شعب رهينة الأشخاص.
فلا صلاح بن لغبر يستطيع إسقاط قضية يؤمن بها ملايين، ولا غيره يستطيع اختزالها، ولا جروب يستطيع دفنها، ولا حفنة من المتسلقين تستطيع إنهاءها مهما تبدلت الظروف أو ارتفعت أثمان المواقف.
الخلاصة
في تقديري، أراد صلاح بن لغبر أن يقول شيئًا واحدًا بأشكال متعددة:
لا تفسروا صمتي على أنه تراجع، ولا تقيسوني على من غيروا مواقفهم. أنا اخترت الاستراحة لأنني لا أريد أن أكون جزءًا من مشهد أرفضه، ولا أريد لقلمي أن يتحول إلى وقود لصراع أو فتنة لا أؤمن بها. قد أصمت، لكنني لا أبيع؛ أغيب، لكنني لا أنحني.
وبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع صلاح في كل التفاصيل السياسية التي أوردها، فإن أقوى ما في منشوره، في رأيي، هو دفاعه عن حق الإنسان في التوقف والابتعاد دون أن يصبح صمته دليلًا على الخيانة أو التراجع.
أما العبارات القاسية التي حملها النص، فهي بلا شك نابعة من غضب واضح، وقد تجعل البعض ينصرف إلى حدتها بدلًا من التوقف عند جوهر الرسالة. غير أن ذلك لا يحجب الفكرة الأساسية التي أراد صاحبها إيصالها.
وفي النهاية، تختصر عبارته الأخيرة جوهر موقفه كله:
«أنا أستريح ولا أبيع، وأصمت ولا أبدّل، وأغيب ولا أنحني.»
وهذه ليست مجرد عبارة عن استراحة كاتب من الكتابة؛ إنها، قبل كل شيء، محاولة لإعلان حدود ما يستطيع قلمه أن يفعله، وما لا يستطيع أن يفعله مهما تغيرت الظروف.
فالكاتب قد يختار الصمت، وقد يبتعد، وقد يأخذ استراحة محارب، لكن القيمة الحقيقية للموقف تظهر عندما يكون قادرًا على أن يقول:
أصمت بإرادتي.. أغيب بإرادتي.. لكنني لا أبيع ما آمنت به.