في الرابعة فجراً، كانت خورمكسر لا تزال غارقة في نومها الثقيل، إلا من أصوات بعيدة لسيارة تمر في شارع الكورنيش، أو نباح كلب يقطع سكون الليل ثم يخفت، كأنه اعتذر عن إزعاج المدينة.
في شقة صغيرة في أبي ذر الغفاري (حي لينين سابقا)، كانت الحاجة صالحة قد استيقظت قبل الجميع. جلست على حافة سريرها، وتحسست طريقها في الظلام إلى غرفة ابنها.
ـ عليوَه... يا عليوه.
لم يجبها. اقتربت منه وهزت كتفه.
ـ قم يا ولدي... الساعة أربع. الحق لك مكان في الطابور قبل ما تمتلئ المحطة.
فتح عليوه عينيه بصعوبة، ونظر إلى أمه كما لو أنها أيقظته من حلم جميل.
ـ الآن؟
ـ الآن يا ولدي. تريدنا نموت من الجوع، كيف تشتيني أنجّح الأكل بدون غاز؟
ثم أضافت وهي ترفع صوتها قليلاً:
ـ ثلاث الدُّبَب حقنا كلها فاضية، وملكي من أمس وهي تزن علي وتطالب بالدبة التي استعرناها منها. قالت إن زوجها عاد من الشغل، ولا عندهم غاز حتى ليسخنوا ماء الشاي.
تثاءب عليوه، وجلس على طرف السرير.
كان يعرف أن أمه لا تبالغ. ثلاث دُبَبٍ فارغة كانت تقف في زاوية المطبخ كأنها ثلاثة شهود صامتين على أزمة لم تعد أزمة غاز فقط، وإنما صارت أزمة حياة كاملة.
منذ أسابيع، ومنذ أن عيَّن العليمي الزنداني رئيسا للحكومة، غاب الغاز من البيوت والمحطات وأصبح حديث البيوت والأسواق والمجالس وسيارات الأجرة. في عدن، وحضرموت، ولحج، وأبين، أصبحت الدبة الممتلئة أشبه بغنيمة ثمينة. النساء يحسبن الأيام المتبقية في الدبة كما يحسب المريض عدد حبات دوائه، والرجال يتبادلون أخبار المحطات كما يتبادلون أخبار الطقس.
هناك محطات قيلة توزع الغاز الذي يصل إليها. وأخرى تقوب إن الشاحنة في الطريق. وثالثة أغلقها الطابور. ورابعة نفد الغاز فيها قبل أن يصل نصف المنتظرين.
أما السعر، فكان حكاية أخرى؛ كلما سأل أحد عن السعر، جاءه جواب مختلف، وكأن الدبة لم تعد سلعة لها ثمن، بل مزاجاً يتغير مع كل شارع وكل بائع وكل ساعة.
ارتدى عليوه ثوبه، وحمل الدبة على كتفه. وقبل أن يخرج، قال لأمه:
ـ ادعي لي.
قالت: ـ الله يفتحها في وجهك يا ولدي... ويرجعك بالدبة قبل الظهر.
توقف عند الباب، ثم التفت إليها: ـ وإذا ما رجعت؟
ضحكت بمرارة: ـ ترجع بالدبة، أو أرجع أنا لك بالدبة!
خرج عليوه وهو يتمتم غاضباً: ـ الله لا وفق كل من خلى الناس تتقاتل على دبة غاز.
ثم، وقد ارتفع غضبه، أخذ يلعن السياسيين والمسؤولين الذين يرى أنهم سبب ما آلت إليه الأمور. كان في ذهنه أسماء العليمي والزنداني، فراح يرددهما غاضباً، باعتبارهما ـ في نظره ـ جزءاً من المسؤولين عن العجز والفشل الذي يراه في مناطق الشرعية وتحديدا في الجنوب، بينما تتناقل الألسن أخبار وصول الغاز إلى مناطق الحوثيين بصورة أكثر انتظاماً.
لم يكن عليوه يعرف أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الإشاعة. لكنه كان يعرف شيئاً واحداً: دبته فارغة. وحين وصل إلى المحطة، فوجئ بأن الطابور أطول مما توقع. لكنه كان محظوظاً. وقف في المقدمة تقريباً، ووضع دَبته أمامه، ثم جلس على الرصيف. كان الوقت لا يزال مبكراً، والسماء بدأت تفتح عينيها ببطء. بعد قليل، بدأت السيارات تتوافد. دراجات نارية. سيارات أجرة. رجال يحملون الدُّبَب فوق أكتافهم. نساء أرسلهن أزواجهن. شيوخ جاءوا نيابة عن أبنائهم. وكل واحد يحمل معه قصة. هذا يقول إن الغاز انقطع منذ خمسة أيام. وذلك يقول إن دبة بيته سرقت. وثالث يقسم أن صاحب المحطة يبيع جزءاً من الحصة في السوق السوداء. ورابع يقول إن الشاحنة لم تدخل عدن أصلاً. بل سلكت طريق البيضاء ثم ذمار.
كان كل واحد يملك تفسيراً، لكن لا أحد يملك حلاً. ومع ارتفاع الشمس، بدأ الطابور يتحول إلى كتلة بشرية متوترة. في حوالي التاسعة، ظهرت مجموعة من الشباب. لم يكونوا يحملون دبة واحدة أو اثنتين، بل عدداً كبيراً منها. اقتربوا من مقدمة الطابور، وبدأوا يضعون دُبَبهم أمام الناس.
اعترض أحد الواقفين:
ـ يا جماعة، الطابور من هنا.
رد أحدهم ببرود:
ـ عارفين.
ـ طيب ليش تتقدموا؟
ـ معنا دُبَب.
تعالت الأصوات.
قال عليوه:
ـ كلنا معنا دُبَب. لو الدبة هي المقياس، كان أنا من أمس واقف هنا!
التفت إليه أحد الشباب وقال:
ـ لا تتفلسف.
ـ أنا ما أتفلسف. أنا واقف من الفجر، وأنت جاي الآن وتريد تأخذ دوري؟
ـ دورك محفوظ... إذا بقي غاز.
ضحك بعض الواقفين ضحكة عصبية، لكنها لم تكن ضحكة فرح.
كان الجميع على حافة الانفجار.
قال عليوه: ـ شوف يا أخي، خذ دورك مثل الناس. لا تجعلنا نتقاتل على دبة.
اقترب الشاب منه.
ـ وأنت مالك؟
ـ مالي أني واقف قبلك.
تدخل رجل مسن:
ـ يا أولاد، الله يرضى عليكم. كلنا في هم واحد.
لكن الهم الواحد لا يعني دائماً أن الناس يتصرفون كإخوة.
كلمة تبعتها كلمة. صوت ارتفع. يد دفعت كتفاً. ثم جاءت دفعة أخرى.
وفجأة، تحولت المشاجرة إلى عراك. حاول عليوه أن يحمي دَبته، وكأنها كنز عائلته. دفع أحدهم . دُفع. تعثر. ثم جاءت ضربة قوية على رأسه. لم يشعر إلا بدوار شديد، وشيء دافئ يسيل على وجهه. مد يده إلى رأسه، وحين نظر إلى كفه، رأى الدم.
قال: ـ يا أمي...
ثم سقط. مغشيا عليه.
في البيت، كانت الحاجة صالحة تنتظر. مرت التاسعة. ثم العاشرة. ثم الحادية عشرة. وضعت إبريق الشاي على النار، ثم أطفأته. لم يكن لديها غاز. قالت في نفسها:
"أكيد الزحمة."
ثم سمعت طرقاً على الباب. كان أحد جيران عليوه. نظر إليها لحظة، ثم أشاح بوجهه. عرفت قبل أن يتكلم أن هناك شيئاً سيئاً.
ـ خير؟
ـ لا تخافي يا حاجة.
وهذه العبارة وحدها كانت كافية لكي تخاف.
ـ عليوه؟
ـ حصلت له مشكلة عند المحطة.
تغير لون وجهها.
ـ أي مشكلة؟
ـ أصيب في رأسه.
جلست على أقرب كرسي.
ـ مات؟
ـ لا، لا... حي. نقلوه إلى مستشفى الجمهورية.
نهضت فجأة.
ـ ودوني له.
كان مستشفى الجمهورية مزدحماً. أصوات المرضى والمرافقين، رائحة المطهرات، عربات المرضى، الممرضون الذين يركضون من غرفة إلى أخرى. وحين دخلت الحاجة صالحة غرفة ابنها، رأته ممدداً على السرير.
رأسه ملفوف بالضمادات. وجهه شاحب. عيناه مغمضتان. اقتربت منه.
ـ عليوه...
لم يجب. وضعت يدها على يده.
ـ يا ولدي... قلت لك جيب الدبة، ما قلت لك جيب لي روحك!
فتح عينيه للحظات، لكنه لم يستطع الكلام. قال الطبيب إن إصابته خطيرة، وإن الساعات المقبلة ستكون حاسمة. وقفت الأم إلى جواره. لم تستطع أن تتحمل المشهد. تراجعت خطوتين. وضعت يدها على صدرها.
قالت: يا رب...
ثم سقطت. حاول الأطباء إنقاذها. لكن قلبها الذي تحمل سنوات الفقر والقلق والخوف، لم يتحمل صدمة ابنها. وبعد دقائق، خرج الطبيب صامتاً. كانت الحاجة صالحة قد رحلت.
في تلك الليلة، بقي عليوه في المستشفى. أما أمه، فوُضعت في ثلاجة الموتى، ريثما يستقر وضع ابنها ويتمكن أهله من ترتيب مراسم دفنها.
في البيت، بقيت الدُّبَب الثلاث. واحدة بجانب المطبخ. وأخرى عند الباب.
والثالثة، تلك التي حملها عليوه إلى المحطة، عادت فارغة.
كانت ملكي، الجارة، قد جاءت تسأل عنها. وقفت أمام الباب طويلاً، ثم قالت:
ـ أنا ما عاد أريد الدبة الآن.
كان الجميع صامتين.
أضافت: ـ خليها عندكم. ثم بكت.
وفي صباح اليوم التالي، كان الطابور أمام محطة الغاز أطول من الأمس.
وجوه جديدة. دُبَب جديدة. غضب جديد. لكن المشكلة نفسها. امرأة مسنة كانت تقف في آخر الطابور، تحمل دبة فارغة، فسألت رجلاً أمامها:
ـ هل سيصل الغاز اليوم؟
هز كتفيه.
ـ الله أعلم.
ـ وكم ننتظر؟
قال: ـ حتى يجي دورنا... أو ينتهي الغاز. لم تفهم أيهما أسوأ.
كانت الشمس تصعد فوق عدن، فيما كانت دُبَب الغاز الفارغة تصطف على الرصيف مثل قبور صغيرة.
وفي مكان ما من خورمكسر، كان عليوه لا يزال يرقد على سريره، لا يعرف أن أمه ماتت. ولا يعرف أن الدبة التي خرج من أجلها في الرابعة فجراً، لم تعد مجرد دبة. صارت شاهدة على موت أم. وشاهدة على عجز مدينة. وشاهدة على بلد أصبح المواطن فيه مضطراً لأن يغامر برأسه من أجل أن يطبخ وجبة، أو يسخن ماء، أو يصنع كوب شاي.
ولم يكن أحد يعرف، في ذلك الصباح، متى ستصل شاحنة الغاز التالية. لكن الجميع كانوا يعرفون شيئاً واحداً: أن الطابور سيبقى.
وأن الدُّبَب الفارغة ستظل تنتظر. وأن عدن، التي كانت ذات يوم مدينة الميناء المفتوح والأسواق العامرة، صارت تستيقظ كل صباح على سؤال صغير بحجم دبة: هل وصل الغاز؟
فإذا لم يصل، بدأت المضرابة من جديد. وبدأت القصة من جديد.