لا حرب تُحسم، ولا سلام يُنجز، ولا نصر يتحقق، ولا منتصر يُعلن، ولا مهزوم يغادر المشهد. ما يجري هو ترحيل للحلول وإدارة دائمة للأزمة، وإبقاء اليمن والجنوب في حالة هشّة يمكن التحكم بها من قبل الأطراف الإقليمية، حتى وإن اختلفت هذه الأطراف وتصارعت أجنداتها.
الرياض وأبوظبي وطهران، ومعها عواصم أخرى، قد تختلف في الأدوات والمصالح، لكنها تلتقي ــ بشكل مباشر أو غير مباشر ــ عند إبقاء الملف اليمني مفتوحاً، والحل مؤجلاً، والقرار الحقيقي خارج يد اليمنيين.
قيادات في الرياض، وأخرى في أبوظبي وإسطنبول والدوحة، وفي المقابل مشروع حوثي مدعوم من طهران؛ وبين هذه الأطراف يبقى الجنوب والمناطق التي تسمى «محررة» ساحة مفتوحة للصراع والنفوذ، بينما تغيب الإدارة الجنوبية الحرة، ويغيب المشروع الجنوبي المستقل القادر على رسم ملامح المستقبل.
حتى اللحظة، الإقليم هو المتحكم الأول بالمشهد.
الرياض تمسك بالكثير من خيوط المشهد في الجنوب، وأبوظبي تراقب من بعيد، وتحاول قراءة اتجاه الأحداث وحدود قدرة الرياض على إدارة الجنوب واليمن، وإلى أي مدى يمكن أن تستمر في هذا الطريق قبل أن تتحول السيطرة إلى عبء، ويغرق الجميع في مستنقع الأزمة اليمنية.
أما الصدمة الأكبر فهي أن كثيراً ممن كانوا بالأمس تابعين للإقليم، أصبحوا بعد الصدمة أكثر ارتهاناً له. لم يعد السؤال عند البعض: ماذا يريد شعب الجنوب؟ بل أصبح السؤال: متى يُسمح لنا بالكلام؟ وماذا نقول؟ وإلى أي مستوى يمكن أن نذهب؟
نعم، من حقنا القول إن الرياض احتجزت وفد المجلس الانتقالي الذي ذهب إليها، وهذا أمر لا يمكن تجاهله. لكن الصورة لا تتوقف عند الاحتجاز.
فالرياض لم تكتفِ بذلك؛ بل استطاعت استقطاب عدد كبير من الشخصيات الجنوبية إلى مشروعها، وتحويل بعضهم إلى أدوات سياسية في معادلة جديدة عنوانها أن «مفتاح الحل» يأتي من الرياض.
والأخطر أن بعض من يذهب إلى الرياض قد لا يملك حتى قرار العودة. فالمسألة لم تعد مجرد استضافة أو لقاءات سياسية، بل أصبحت بالنسبة للبعض إقامة إجبارية مفتوحة تحت عنوان الضيافة، قد تمتد لأشهر أو أعوام، إلى أن تتغير الحسابات أو تنتهي الحاجة إلى وجودهم.
وفي أبوظبي، الصورة مختلفة في الأسلوب، لكنها ليست بعيدة في النتيجة.
قيادات من الصف الأول غادرت عدن بعد أحداث حضرموت واتجهت إلى أبوظبي، لكن الظهور العلني والكلام السياسي لم يكن متاحاً للجميع. الصمت كان هو العنوان، والابتعاد عن الإعلام هو القاعدة.
ومع مرور الوقت، بدأت الصورة تصبح أكثر وضوحاً: مساكن متفرقة، أسر جرى استقدامها، وإبعاد عن مراكز القرار والحضور السياسي، في مشهد يوحي بأن مرحلة سياسية كاملة ربما وصلت إلى نهايتها، وأن بعض القيادات لم تعد تملك من القرار إلا ما يسمح به الآخرون.
وهنا يجب أن نتوقف ونسأل بوضوح:
أين القرار الجنوبي؟
أين المشروع السياسي الذي يضع مصلحة الجنوب فوق حسابات الرياض وأبوظبي وطهران وغيرها؟
أين القيادة التي تستطيع أن تقول: هذا ما نريده نحن، وليس ما تريده العواصم الإقليمية؟
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاعتماد على الخارج دون امتلاك قرار وطني مستقل لا يصنع دولة، ولا يحمي قضية، ولا يحقق مشروعاً وطنياً.
الجنوب لا يحتاج إلى استبدال وصاية بوصاية، ولا إلى الانتقال من غرفة إقليمية إلى غرفة إقليمية أخرى.
الجنوب يحتاج إلى إرادة سياسية حرة، وقيادة تمتلك قرارها، ومشروع واضح للمستقبل، وقاعدة سياسية وطنية تستند إلى شعبها وأرضها، لا إلى رضا العواصم.
أما استمرار حالة «لا حرب ولا سلام»، و«لا حسم ولا حل»، و«لا منتصر ولا مهزوم»، فمعناه ببساطة أن الأزمة أصبحت هي المشروع، وأن إبقاء الجميع في حالة انتظار هو الوسيلة الأكثر فعالية للتحكم بالجميع.
وإذا لم يدرك الجنوبيون هذه الحقيقة الآن، فقد يجدون أنفسهم بعد سنوات أمام واقع جديد صُنع لهم في غرف مغلقة، بينما كانوا منشغلين بالصراع على مواقع داخل مشاريع الآخرين.
المشكلة لم تعد فقط في من يسيطر على الجنوب، بل في غياب من يمتلك قرار الجنوب.
والمرحلة القادمة لن تحتاج إلى مزيد من التبعية، بل إلى استعادة القرار السياسي الجنوبي من جديد.