مقترح إلى معالي محافظ شبوة الشيخ عوض محمد بن الوزير
حين نتحدث عن التعليم، فإننا لا نتحدث عن مبنى أو كتاب أو معلم فحسب، وإنما نتحدث عن مستقبل أجيال كاملة، وعن شكل المجتمع الذي ستصبح عليه شبوة بعد سنوات. ولهذا فإن تراجع التعليم الأساسي والثانوي لم يعد قضية تربوية تخص مكتب التربية وحده، بل أصبح قضية مجتمعية وتنموية تستوجب وقفة جادة وتحركًا عاجلًا.
لقد عانت مدارس محافظة شبوة، البالغ عددها (691) مدرسة، من نقص في المعلمين والفصول الدراسية، إلا أن هذه المشكلة تفاقمت بصورة كبيرة خلال سنوات الحرب الإحدى عشرة الماضية، نتيجة الزيادة المستمرة في أعداد الطلاب الملتحقين بالتعليم الأساسي، وازدياد أعداد المنتقلين إلى التعليم الثانوي، دون أن يقابل ذلك توسع مماثل في أعداد المعلمين أو بناء مدارس وفصول جديدة تستوعب هذه الكثافة.
كما عانت مديريات المحافظة من نقص حاد في الكتاب المدرسي، حتى إن بعض المواد الدراسية لم تعد تُدرّس في بعض المدارس بسبب عدم توفر المعلمين المتخصصين أو الكتب اللازمة. وزاد الوضع سوءًا تسرب عدد من المعلمين إلى أعمال أخرى أو التحاقهم بالتجنيد، في ظل رواتب هزيلة وحوافز لا تتناسب مع حجم المسؤولية التي يتحملها المعلم.
وقد سبق أن تناولنا، عبر حلقات نشرت في الصحافة المحلية، مظاهر التراجع الذي أصاب التعليم الأساسي والثانوي في المحافظة. وأصبح التعليم في عدد من المدارس أقرب إلى تمضية ساعات الدوام منه إلى صناعة المعرفة وبناء شخصية الطالب وتنمية قدراته.
صحيح أن السلطة المحلية حاولت التخفيف من النقص من خلال التعاقد مع عشرات المعلمين الجدد، إلا أن المبالغ المخصصة لهم لا ترقى إلى ما يستحقه معلم يؤدي رسالة بهذا الحجم. كما تبنت النقابات مطالب المعلمين، إلا أن الكثير منها لم يجد الاستجابة الكافية من الحكومة.
أرقام غير رسمية.. لكنها جرس إنذار
الأكثر إثارة للقلق أن بعض الأرقام والمؤشرات غير الرسمية المتداولة حول واقع التعليم في شبوة ترسم صورة مقلقة للغاية.
فهناك تقديرات تشير إلى أن نحو 30% من طلاب التعليم الأساسي خارج المدارس، وأن نسبة التسرب من التعليم الثانوي تبلغ نحو 5%، كما تشير تقديرات أخرى إلى أن نسبة لا تقل عن 20% من طلاب المرحلة الثانوية يتعاطون القات أو يمارسون بعض العادات والسلوكيات الضارة.
ونحن هنا لا نقدم هذه الأرقام باعتبارها إحصاءات رسمية نهائية، وإنما باعتبارها مؤشرات تستحق التحقق والدراسة العاجلة. وإذا كانت هذه مجرد أرقام غير رسمية، فإن إجراء دراسة ميدانية رسمية ومحايدة قد يكشف عن واقع أكثر إزعاجًا.
وهنا تكمن أهمية المبادرة؛ فليس المطلوب أن نختلف حول الرقم، وإنما أن نسأل: لماذا وصلنا إلى هذه المؤشرات؟ وما الذي يمكن فعله قبل أن يصبح علاج المشكلة أكثر صعوبة وكلفة؟
إن خروج طفل واحد من المدرسة هو خسارة، فكيف إذا كنا نتحدث عن عشرات الآلاف؟ وإن كان الطالب يجد في المدرسة بيئة تعليمية ضعيفة، ومعلمًا غير متوفر، وكتابًا مفقودًا، وفصلًا مكتظًا، فإننا لا ينبغي أن نتفاجأ عندما تتراجع الرغبة في التعليم وتزداد احتمالات التسرب والسلوكيات الضارة.
أغسطس 2026.. فرصة للتحرك
لهذا نقول لمعالي محافظ شبوة: إن ما تبقى من شهر أغسطس 2026م يمكن أن يكون نقطة انطلاق حقيقية لإعادة فتح ملف التعليم.
نقترح أن يتحول ما تبقى من هذا الشهر إلى ورشة عمل جادة، يُستعان فيها بكبار التربويين وأصحاب الخبرة والكفاءة من الميدان، وليس الإداريين وحدهم، للخروج برؤية واقعية قابلة للتنفيذ.
ومن هذه الورشة يمكن الدعوة إلى ملتقى تربوي أو مؤتمر مصغر أو ورشة عمل موسعة، تحت أي مسمى، المهم أن يكون الهدف واضحًا: إنقاذ التعليم الأساسي والثانوي في شبوة.
كما نقترح إنشاء مجلس تربوي لمحافظة شبوة برئاسة المحافظ، ينعقد بصورة شهرية، وتكون مهمته متابعة واقع التعليم، ومناقشة الصعوبات التي تواجه المدارس والمعلمين والطلاب، واتخاذ القرارات اللازمة لمعالجة الاختلالات، ومتابعة تنفيذها.
إعلان 2026 عامًا للتعليم
معالي المحافظ،
لماذا لا تعلن السلطة المحلية عام 2026 عامًا للتعليم في شبوة، وتكرس جزءًا كبيرًا من جهودها وإمكاناتها لإعادة الاعتبار للمدرسة والمعلم والطالب؟
الهدف ليس مجرد العودة إلى مستوى ما قبل الحرب، بل بناء تعليم أفضل قادر على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
وطلاب المدارس اليوم هم عماد المستقبل وقادة الغد، والتفكير في مشكلات الحاضر مع إهمال مستقبل الأجيال هو في حقيقته عودة إلى الخلف.
ماذا نريد من الملتقى؟
نريد أن يتحول اللقاء من مناسبة للكلام إلى مناسبة لاتخاذ قرارات، ومن أبرزها:
إعادة تقييم القيادات التربوية في الإدارات والمدارس، وتغيير من ثبت ترهله أو عجزه عن أداء مهامه، واختيار الكفاءات القادرة على العمل.
تفعيل الرقابة والتوجيه التربوي والنزول الميداني إلى المدارس.
إعادة الاعتبار لمبدأ الثواب والعقاب وربط التقييم بالأداء والنتائج.
توفير الكتاب المدرسي لجميع المراحل والمواد.
إعداد قاعدة بيانات دقيقة وشاملة لأعداد الطلاب والمعلمين والفصول والمدارس وحجم العجز في كل مديرية.
إجراء مسح ميداني لمعرفة أسباب التسرب والانقطاع عن التعليم، ووضع برامج لإعادة الطلاب إلى المدارس.
دراسة الظواهر والسلوكيات التي تؤثر في طلاب المرحلة الثانوية، ووضع برامج توعوية وتربوية لمعالجتها.
البحث عن مصادر تمويل لتوظيف معلمين جدد وسد العجز، خصوصًا في المواد التي تعاني نقصًا شديدًا.
رفع رواتب المعلمين وحوافزهم، ورفع مطالب المحافظة إلى الحكومة مدعومة بالأرقام والبيانات.
مطالبة الحكومة بتخصيص اعتمادات لبناء مدارس وفصول جديدة في المناطق ذات الكثافة الطلابية.
وضع خطة عاجلة ومتوسطة وطويلة المدى للنهوض بالتعليم، مع تحديد المسؤوليات والمدة الزمنية ومؤشرات النجاح.
عقد اجتماع شهري للمجلس التربوي لمراجعة ما تم إنجازه ومعالجة أي تعثر.
لا نريد مؤتمرًا آخر ينتهي بانتهاء الجلسة
المشكلة ليست في عقد الاجتماعات، فقد عقدت اجتماعات كثيرة ورفعت تقارير أكثر، لكن المشكلة في ما الذي يحدث بعد انتهاء الاجتماع؟
نريد هذه المرة قرارات محددة، ومسؤوليات واضحة، وجداول زمنية، ومتابعة ومحاسبة.
فالتعليم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية وقرار شجاع وإدارة كفؤة ومتابعة مستمرة.
مستقبل شبوة يبدأ من المدرسة
معالي المحافظ،
إن الاستثمار في التعليم ليس مشروعًا خدميًا عابرًا، بل هو الاستثمار الأهم في مستقبل شبوة. فالطريق الذي نبنيه اليوم يخدم أجيالًا، أما الطالب الذي نخسره من المدرسة فقد نخسر معه مستقبل إنسان وأسرة ومجتمع.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذه المؤشرات الخطيرة، حتى وإن كانت غير رسمية، يجب أن يكون باعتبارها جرس إنذار لا يجوز تجاهله.
فلننتظر الدراسة الرسمية، ولكن لا ننتظر معها حتى تتفاقم المشكلة.
ولنجعل من عام 2026م بداية لتحرك جاد يعيد للمدرسة هيبتها، وللمعلم مكانته، وللطالب حقه في تعليم جيد، ولشبوة حقها في أن يكون أبناؤها مؤهلين لقيادة مستقبلها.
فالأمم لا تُبنى بالثروات وحدها، وإنما تُبنى بالإنسان، والإنسان يبدأ بناؤه من المدرسة.
وإذا كان هناك ملف يستحق أن تتكاتف حوله السلطة المحلية والمجتمع والقطاع الخاص والتربويون، فهو ملف التعليم.
إنقاذ التعليم في شبوة ليس ترفًا، ولا قضية مؤجلة إلى الغد.. إنه مسؤولية اليوم، لأن الغد يصنعه طلاب مدارسنا الآن.
الصحفي صالح حقروص
والإعلامي حسين معشوق
2026/8/17م