آخر تحديث :الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 - 10:32 م

كتابات


هل بات الحوثيون يحققون ما يصبون إليه؟

الثلاثاء - 08 سبتمبر 2026 - 09:46 م بتوقيت عدن

هل بات الحوثيون يحققون ما يصبون إليه؟

صالح الفضلي

لم يعد السؤال، بعد تطورات الثلاثاء 8 سبتمبر، هو ما إذا كان الحوثيون قادرين على إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه السعودية، فقد أثبتوا ذلك. السؤال الأكثر أهمية الآن هو: هل بدأ الحوثيون ينجحون في فرض معادلة جديدة على السعودية والمنطقة، عنوانها أن أمن المملكة ومنشآتها الاقتصادية والطاقة لم يعد بمنأى عن الحرب اليمنية؟

هذا هو التطور النوعي الذي ينبغي التوقف أمامه.

فالهجمات التي شهدتها السعودية اليوم لم تكن، وفق المعطيات التي أعلنتها الرياض، مجرد محاولات متفرقة لاستهداف مواقع عسكرية. فقد تحدثت السلطات السعودية عن إصابة 73 شخصًا، وعن استهداف مواقع مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، كما أعلنت وزارة الطاقة السعودية أن منشآت ومرافق في قطاع الطاقة تعرضت للهجمات، واندلعت حرائق في عدد من المواقع، وتوقفت بعض العمليات بصورة مؤقتة.

وهنا تكمن خطورة التحول.

من اختبار الدفاع الجوي إلى اختبار قدرة الاقتصاد

منذ عودة المواجهات السعودية الحوثية إلى التصعيد، كان بإمكان الرياض التعامل مع الصواريخ والمسيّرات باعتبارها تهديدًا أمنيًا وعسكريًا يمكن احتواؤه بواسطة الدفاعات الجوية والضربات المضادة.

لكن المعادلة تصبح مختلفة عندما تنتقل الضربات إلى منشآت الطاقة والبنية الاقتصادية. فالرياض تستطيع، من الناحية السياسية والاستراتيجية، استيعاب صاروخ يسقط في منطقة غير مأهولة، كما تستطيع التعامل مع هجوم محدود على منشأة عسكرية باعتباره جزءًا من الحرب. لكن من الصعب عليها أن تسمح بتكوين معادلة أكثر خطورة: الحوثيون يضربون منشآت الطاقة السعودية السعودية تعترض وتندد .الحوثيون يعاودون الضرب . الأسواق ترفع علاوة المخاطر . ثم تتكرر الدورة من جديد.

إذا استقرت هذه المعادلة، فإن الحوثيين لا يحتاجون إلى إلحاق أضرار استراتيجية ضخمة بالسعودية حتى يعلنوا نجاحهم.

يكفي أن يثبتوا أن بإمكانهم إنتاج تكلفة مستمرة على المملكة، وإبقاء منشآتها الحيوية تحت التهديد، وإجبارها على تخصيص موارد متزايدة للدفاع، بالتوازي مع الضغط على خطوط التجارة والطاقة.

وهذا بالضبط ما يجعل التطورات الأخيرة أكثر خطورة من مجرد عدد الصواريخ التي أُطلقت.

الحوثيون يريدون توسيع ساحة الحرب

الأكثر دلالة أن التصعيد الحوثي يأتي بالتزامن مع تصعيد واسع داخل اليمن.

فالقوات الشرعية المهاجمة للحوثيين والمدعومة من السعودية بدأت هجمات مضادة في عدة جبهات، بينما اتسعت المعارك في تعز والبيضاء والجوف ومناطق أخرى، وسط حديث عن محاولة الضغط باتجاه صنعاء.

وبالتالي فإن الهجمات على السعودية يمكن قراءتها في إطار محاولة الحوثيين رفع كلفة الحرب على الطرف الآخر خارج الجغرافيا اليمنية.

فكلما ازداد الضغط العسكري عليهم داخل اليمن، يصبح من مصلحتهم نقل جزء من الضغط إلى العمق السعودي، وإقناع الرياض بأن استمرار الحرب البرية والجوية لن يبقى بلا ثمن.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو المسألة مجرد عملية انتقامية رداً على الغارات السعودية التي يقول الحوثيون إنها تجاوزت 120 غارة خلال ثلاثة أيام، بل تبدو أيضًا محاولة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك.

هل حقق الحوثيون بالفعل انتصارًا ردعيًا؟

ليس بعد. وهنا ينبغي الحذر من المبالغة. فالقول إن الحوثيين حققوا انتصارًا استراتيجيًا لمجرد تمكنهم من ضرب منشآت سعودية سيكون استنتاجًا سابقًا لأوانه. فالمعيار الحقيقي ليس قدرتهم على تنفيذ هجوم كبير مرة واحدة، وإنما قدرتهم على تكراره والمحافظة على مستوى التهديد نفسه رغم الرد السعودي.

إذا تمكنت الرياض خلال الأيام والأسابيع المقبلة من تدمير جزء معتبر من القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الحوثية، وفرضت تكلفة عسكرية مرتفعة على الجماعة، فقد ينقلب المشهد لمصلحة السعودية.

أما إذا استطاع الحوثيون تكرار الهجمات على منشآت الطاقة والموانئ والمطارات والمدن السعودية، مع الحفاظ على قدرتهم على إطلاق الصواريخ والمسيّرات من داخل اليمن، فهنا يمكن الحديث فعلاً عن نجاحهم في بناء ردع غير متماثل.

فالطرف الأضعف عسكريًا لا يحتاج إلى تحقيق تفوق عسكري على خصمه؛ يكفيه أن يجعل استخدام القوة ضده مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

والكرة الآن في ملعب الرياض

اللافت أن الخطاب السعودي اليوم تجاوز الإدانة التقليدية.

المتحدث باسم التحالف وصف الهجمات بأنها «تصعيد خطير»، وتحدث عن اتخاذ «كل الإجراءات العملياتية اللازمة» لمواجهة مصادر التهديد. كما أكد وزير الخارجية السعودي أن المملكة ستدافع عن نفسها، مع إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحًا.

وهذا يعني أن الرياض تواجه الآن معضلة دقيقة:

الرد المحدود قد يشجع الحوثيين على التكرار، والرد الواسع قد يفتح حربًا أكبر مما تريد السعودية.

ولهذا فإن السؤال ليس: هل سترد السعودية؟ بل: كيف سترد؟ وإلى أي مدى؟ الأرجح أن الرد السعودي لن يقتصر على الدفاع الجوي. وإذا استمرت الهجمات، فقد نشهد انتقالًا تدريجيًا من سياسة احتواء القدرة الحوثية إلى محاولة إضعاف بنيتها الهجومية بصورة منهجية، بالتوازي مع تكثيف العمليات على الجبهات اليمنية.

لكن ذلك سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الحوثيين على امتصاص الضربة الأولى وإعادة إنتاج هجماتهم.

النفط يدخل المعادلة

ربما يكون التطور الأكثر أهمية اليوم هو أن القضية لم تعد محصورة في الرياض وصنعاء.

فالنفط اقترب من حاجز 100 دولار للبرميل، مع ارتفاع خام برنت إلى مستويات هي الأعلى منذ أشهر، في وقت يعاني فيه سوق الطاقة العالمي أصلًا من اضطرابات كبيرة بسبب الحرب الأميركية الإيرانية وتراجع حركة النفط عبر مضيق هرمز والضغوط على طرق التصدير في البحر الأحمر.

وهنا يصبح السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى أن تتعامل مع التصعيد الحوثي باعتباره شأنًا سعوديًا يمنيًا؟

من الصعب أن يستمر ذلك إذا أصبحت الهجمات على منشآت الطاقة السعودية نمطًا متكررًا.

فالولايات المتحدة والدول الغربية لا تنظر إلى أرامكو والمنشآت السعودية باعتبارها مجرد أصول سعودية، وإنما باعتبارها جزءًا من منظومة الطاقة العالمية. وأي تهديد مستمر لها يضيف علاوة مخاطر إلى أسعار النفط والتأمين والنقل البحري.

لكن في المقابل، لا ينبغي افتراض أن ارتفاع النفط إلى قرابة 100 دولار سيؤدي تلقائيًا إلى تدخل عسكري أميركي مباشر ضد الحوثيين. فالسوق النفطية العالمية تتأثر حاليًا بعوامل أكبر من اليمن وحده، وهناك بدائل ومسارات أخرى للإمداد، كما أن مستوى الطلب العالمي ومخزونات النفط والإنتاج خارج الخليج كلها عوامل تحد من أثر الصدمة.

لذلك فإن اهتمام واشنطن والعواصم الغربية سيكون كبيرًا، لكن شكل هذا الاهتمام قد يبدأ بالضغط السياسي والاستخباراتي والعسكري غير المباشر، قبل الوصول إلى قرار بالتدخل المباشر.

الخطر الحقيقي: تلاقي الجبهات

وهنا نصل إلى جوهر المسألة.

ما يحدث في اليمن لم يعد منفصلًا عن البحر الأحمر والخليج وحرب الولايات المتحدة وإيران.

الحوثيون يوسعون نطاق الاشتباك، والسعودية تعيد الانخراط عسكريًا بصورة أكبر، وأسعار النفط ترتفع، والملاحة البحرية تواجه مخاطر متزايدة، بينما تتحول اليمن مرة أخرى إلى إحدى ساحات الصراع الإقليمي.

وهذا بالضبط ما يمكن أن يكون الحوثيون يسعون إليه: تحويل الحرب من مواجهة يمنية ـ سعودية إلى أزمة إقليمية واسعة يصعب على أي طرف التحكم في مساراتها.

كلما اتسعت دائرة المتضررين، أصبحت الجماعة أكثر قدرة على تقديم نفسها باعتبارها طرفًا في صراع إقليمي، وليس مجرد جماعة تخوض حربًا داخلية على السلطة في اليمن.

وهذه، سياسيًا، قد تكون أهم مكاسبها.

الأيام القادمة هي الاختبار الحقيقي

لذلك فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة.

وهنا فقط يمكن الإجابة بصورة أكثر دقة عن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:

هل بات الحوثيون يحققون ما يصبون إليه؟

حتى هذه اللحظة، يمكن القول إنهم نجحوا في تحقيق جزء مهم من الهدف: نقل المعركة إلى العمق السعودي، وإصابة منشآت اقتصادية وطاقة، ورفع مستوى المخاطر في سوق النفط والملاحة، وإجبار الرياض على التفكير في رد أكبر.

لكن هذا ليس انتصارًا حوثيًا مكتملًا. فالاختبار الحقيقي لم يبدأ إلا الآن. إذا استطاعت السعودية منع تكرار هذه الهجمات، فإن ما حدث اليوم قد يتحول إلى نقطة انعطاف ضد الحوثيين.

أما إذا أصبح ضرب المنشآت السعودية قدَرًا أسبوعيًا أو شبه يومي، فسوف تكون الجماعة قد نجحت في تحقيق ما هو أخطر من إصابة منشأة أو إسقاط طائرة: ستكون قد فرضت معادلة ردع جديدة، تجعل الحرب اليمنية عبئًا إقليميًا واقتصاديًا يتجاوز حدود اليمن.

وعندها لن يكون السؤال: من يربح الحرب في اليمن؟ بل:من يستطيع أن يتحمل كلفة استمرارها أطول؟