عدن ليست مدينة عاديةإنها مدينة تختزن في حجارتها ذاكرة وطن وفي شوارعها حكايات أجيال وفي مبانيها ومعالمها تاريخًا يستحق أن يُروى للعالم.
لكن المؤسف أن هذه المدينة التي تمتلك كل هذه الكنوز الثقافية والتاريخية ما زالت مؤسساتها الثقافية تُدار في كثير من الأحيان بعقلية تقليدية لا تواكب روح العصر ولا تستثمر الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها عدن.
فالثقافة ليست مكتبًا وملفات وموظفين ينتظرون نهاية الشهر وليست فعاليات موسمية وصورًا تُلتقط ثم تنتهي الحكاية.
الثقافة اقتصاد وسياحة وهوية واستثمار وقوة ناعمة ورسالة حضارية.
عدن تمتلك مواقع لو أُديرت بطريقة صحيحة لأصبحت مصادر إشعاع ثقافي وسياحي وموارد اقتصادية مهمة.
لدينا صهاريج عدن ذلك الصرح التاريخي العظيم الذي يستطيع أن يتحول إلى مزار ثقافي وسياحي متكامل يستقبل الزوار ويحتضن الفعاليات والمعارض والعروض الفنية.
ولدينا المجلس التشريعي وهو مبنى يحمل قيمة تاريخية وسياسية كبيرة ويمكن إعادة تأهيله وتحويله إلى مزار تاريخي وثقافي إذا وجد من يديره بعقلية حديثة ومهنية.
ولدينا قلعة صيرة التاريخية التي تقف شامخة شاهدة على تاريخ عدن وتحتاج إلى رؤية تجعلها جزءًا حيًا من المشهد الثقافي والسياحي لا مجرد مبنى تاريخي صامت.
ولدينا منارة عدن التي يمكن أن تتحول إلى أحد الرموز السياحية والثقافية البارزة في المدينة إذا جرى استثمارها وإدارتها بالشكل الذي يليق بقيمتها.
ولدينا أيضًا مبنى اتحاد الأدباء والكتاب في خور مكسر وهو اليوم بحاجة إلى إنقاذ وإعادة تأهيل.
فلماذا لا يتحول هذا المبنى إلى مركز ثقافي وفني يحتضن الأدباء والمثقفين والفنانين والشباب ويصبح مساحة مفتوحة للإبداع والمعرفة؟
وهناك سينما أروى في كريتر التي أصبحت اليوم تستثمرها فرقة خليج عدن وهو أمر يمكن البناء عليه وتطويره وهناك كذلك سينما ريجل التي ما زال مصيرها بحاجة إلى إجابة واضحة ورؤية معلنة تحفظ هذا الإرث السينمائي لمدينة عدن.
أين ذهب فنانو عدن؟
المشكلة لا تتوقف عند المباني والمعالم.
عدن تمتلك كادرًا من الفنانين والموظفين الشباب القادرين على العمل والعطاء لكن كثيرًا منهم أصبحوا مهمشين في بيوتهم بينما الثقافة في أمسّ الحاجة إلى عقولهم وخبراتهم وأفكارهم.
لماذا لا نمنح هؤلاء فرصة؟
لماذا لا نضع الرجل المناسب في المكان المناسب؟
ولماذا لا نفتح الباب أمام الشباب والفنانين والإداريين الذين يمتلكون القدرة على صناعة مشروع ثقافي حقيقي؟
إن الثقافة تحتاج إلى إدارة تؤمن بأن الفنان ليس موظفًا فائضًا عن الحاجة بل هو ثروة وطنية وأن المبدع حين يجد البيئة المناسبة يستطيع أن يصنع مشروعًا يدر دخلًا للمؤسسة ويحفظ للمدينة ذاكرتها.
معهد جميل غانم سؤال يحتاج إلى إجابة
ومن الملفات التي تحتاج إلى وقفة جادة معهد جميل غانم للفنون الجميلة.
هذا المعهد يجب أن يكون مصنعًا للمواهب ومكانًا لصناعة الفنان ومنارة لتعليم الموسيقى والمسرح والفنون لا أن يتحول إلى مجرد اسم كبير بلا مخرجات حقيقية.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بكل وضوح:
ماذا قدم المعهد خلال السنوات الماضية؟ وكم طالبًا تخرج منه في الدراسة النظامية؟ وما هي مخرجاته؟ وأين هم خريجوه؟
هذه ليست أسئلة للتشهير بأحد وإنما أسئلة مشروعة من أجل الإصلاح.
إذا كان هناك خلل في الإدارة فليُعالج.
وإذا كان هناك تقصير فليحاسب المقصر.
وإذا كانت هناك عقول قادرة على التطوير، فلتُمنح الفرصة.
فالمنصب ليس ملكًا لأحد وإنما هو مسؤولية لخدمة الناس والفن والثقافة.
المطلوب قرار شجاع
نحن بحاجة إلى قرار ثقافي مختلف في عدن قرار يعيد الحياة إلى المواقع التاريخية، ويمنح الفنانين دورهم ويحول الثقافة من قطاع مستهلك إلى قطاع منتج.
ومن هنا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى محافظ العاصمة عدن الأستاذ عبدالرحمن شيخ هي أن الملف الثقافي يحتاج إلى قرار شجاع وإدارة جديدة بروح مختلفة.
ومن الأفكار التي يمكن أن تشكل بداية للإصلاح:
مدير لصهاريج عدن يتولى تطوير الموقع وإدارته ثقافيًا وسياحيًا.
مدير للمجلس التشريعي يعمل على تحويله إلى مزار تاريخي وثقافي.
مستشار للمحافظ للشؤون الفنية والثقافية وشؤون الفنانين على أن يكون من الكفاءات الفنية والثقافية الشابة.
مدير لمنارة عدن.
مدير لقلعة صيرة.
مدير لإدارة المسارح يعمل على إعادة تنشيط الحركة المسرحية في عدن.
إعادة تقييم إدارة معهد جميل غانم بما في ذلك المدير ونائبه وإدارة شؤون الطلاب والإدارة المالية وفق معايير الكفاءة والنتائج.
هذه المواقع ليست مجرد مسميات وظيفية؛ إنها مشاريع يمكن أن تعيد للثقافة العدنية حضورها، وتفتح أبوابًا جديدة للشباب والفنانين، بل ويمكن أن تتحول بعض هذه المواقع إلى مصادر دخل إذا أُديرت بطريقة استثمارية شفافة تحفظ طابعها التاريخي والثقافي.
عدن لا ينقصها التاريخ ينقصها من يستثمر التاريخ
عدن لا تحتاج إلى اختراع ثقافة جديدة؛ ثقافتها موجودة.
ولا تحتاج إلى البحث عن التاريخ؛ تاريخها حاضر في صهاريجها وقلعتها ومنارتها ومبانيها ومسارحها وسينماتها وشوارعها وأغانيها وموسيقاها وفنانيها.
ما تحتاجه عدن هو إدارة تمتلك الرؤية وقرار يمنح الكفاءات الفرصة ومشروع ثقافي واضح ومحاسبة حقيقية، وفتح الأبواب أمام الشباب.
لقد آن الأوان أن نخرج من عقلية أن الثقافة مجرد وظيفة حكومية، وأن ننتقل إلى مفهوم جديد:
الثقافة مشروع حياة ومشروع مدينة ومشروع اقتصاد ومشروع هوية.
فإذا أردنا لعدن أن تستعيد مكانتها فعلينا أن نستعيد ثقافتها أولًا.
وإذا أردنا أن نحمي تاريخها فعلينا أن نجعل هذا التاريخ حيًا في حاضرها.
والقرار اليوم بيد قيادة عدن.
فهل نشهد قرارًا ثقافيًا يعيد لعدن وجهها الجميل؟
تحياتي لكل فنان ومثقف وأديب وإعلامي وشاب ما زال يؤمن بأن عدن تستحق ثقافة تليق بتاريخها.