في عدن، الخلايا الحوثية لا تحتاج إلى (جواز سفر) للدخول، ولا إلى تأشيرة، ولا حتى إلى أن تتعب نفسها في البحث عن طريق سري بين الجبال.
يكفي أحياناً أن تجد ثغرة أمنية صغيرة، سيارة قات، أو بطاقة عسكرية لا تجد من يدقق فيها، أو معلومة تتسرب من هنا، أو وسيطاً يعرف الطريق من هناك.
فخلال الأيام الأخيرة، أعلنت الأجهزة الأمنية في عدن عن ضبط عناصر مرتبطة بمخططات تستهدف قوات وقيادات ومنشآت حيوية، ثم أعلنت في 22 سبتمبر عن ضبط خلية في دار سعد متورطة في نقل وتهريب الأسلحة وتوفير الدعم اللوجستي، وقالت إن العملية كشفت مساراً مرتبطاً بجماعة الحوثي.
وفي العملية الأخيرة، تحدثت المصادر الأمنية عن ضبط شحنة من الأسلحة، بينها 13 قطعة دوشكا، بعد متابعة استخباراتية وميدانية لمسار الشحنة والعناصر المتورطة فيها.
وقبل ذلك بأيام، أعلنت شرطة عدن إحباط مخطط لاستهداف قوات وقيادات ومنشآت حيوية، وضبط عبوة ناسفة ومواد مرتبطة بالمخطط، وقالت إن التحقيقات كشفت خيوطاً أخرى تتعلق بعبوات وأهداف محتملة داخل المدينة.
هذه الوقائع لا تعني، بطبيعة الحال، أن كل شخص في عدن يمكن أن يكون (طابوراً خامساً)، ولا تسمح لنا بإعطاء رقم سحري لعدد العناصر الحوثية التي قد تكون داخل المدينة.
لكنها تفرض سؤالاً أكثر إزعاجاً:
إذا كانت هناك خلايا تنقل السلاح، وتخزن المتفجرات، وتجمع المعلومات، وتخطط لاستهداف مواقع وشخصيات، فكيف وصلت إلى هذه المرحلة أصلاً؟
وهنا نصل إلى المشكلة الحقيقية.
وهي ليست في عدد الخلايا.
قد تكون الخلية خمسة أشخاص، وقد تكون عشرة، وقد تكون أكثر. العدد وحده لا يقول شيئاً.
فالخطر الأمني لا يقاس دائماً بعدد أفراد الخلية، وإنما بقدرتها على الوصول إلى المعلومة والسلاح والمال والمركبة والمكان والهدف.
خلية صغيرة تمتلك هذه المفاتيح قد تكون أخطر من مجموعة كبيرة مكشوفة.
والحوثيون، مثل غيرهم من الأطراف التي تخوض حرباً طويلة، لا يحتاجون إلى إرسال جيش إلى عدن حتى يربكوا أمنها. يكفيهم أن يجدوا شخصاً واحداً يعرف الطريق، وآخر يعرف الهدف، وثالثاً يوفر المال، ورابعاً يستطيع نقل السلاح.
وهنا تصبح المعركة معركة شبكات، لا معركة أعداد.
المفارقة الساخرة أن بعضنا ما زال يتصور أن (العدو) يجب أن يصل وهو يحمل بندقية ويضع على جبينه لافتة تقول: أنا حوثي، الرجاء القبض عليّ!
وهذه طبعاً أسهل نسخة من الأمن.
أما الأمن الحقيقي، فهو الذي يستطيع أن يكتشف الشخص الذي يبدو عادياً، والمركبة التي تبدو عادية، والشحنة التي تبدو عادية، والعلاقة التي تبدو عادية، ثم يربط بينها جميعاً قبل أن تتحول إلى عملية.
من المؤكد أن هناك «طابورا خامسا» واسعا داخل عدن،
ولا توجد حتى الآن معلومات علنية موثوقة تسمح بتحديد حجمه أو إعطاء نسبة لانتشار.
وهذا أمر ينبغي أن يُقال بوضوح.
لكن تعدد القضايا المعلنة خلال فترة قصيرة يستحق أن يؤخذ بجدية. ففي سبتمبر وحده، تحدثت الأجهزة الأمنية عن خلية تلقت تدريباً في مناطق خاضعة للحوثيين، وعن مخطط تفجيرات، ثم عن شبكة تهريب أسلحة ومسار لوجستي مرتبط بالحوثيين.
هذا لا يثبت أن كل هذه العمليات جزء من شبكة واحدة، ولا يثبت أن عدن مليئة بالخلايا النائمة.
لكنه يثبت شيئاً أكثر أهمية:
هناك محاولات اختراق، وهناك شبكات تتحرك، وهناك حاجة إلى معرفة حجمها الحقيقي بدلاً من الاكتفاء بضبط كل خلية على حدة.
فالخلية التي تم القبض عليها اليوم قد تكون نهاية الخيط، وقد تكون بدايته.
والذكاء الأمني الحقيقي لا يحتفل فقط بالقبض على الشخص الذي يحمل السلاح، بل يسأل فوراً:
من أرسله؟ من موّله؟ من سلّمه السلاح؟ من أخفاه؟ من كان ينتظر وصوله؟ ومن كان يعرف موعد العملية؟
وإذا انتهى التحقيق عند الشخص الذي وجدوا معه السلاح، فقد يكون الأمن قد أمسك بالسمكة وترك شبكة الصيد في البحر.
المشكلة ليست دائماً في النقطة الأمنية
عدن مليئة بالنقاط والحواجز.
وأحياناً يبدو لك أن المدينة كلها نقطة تفتيش واحدة طويلة، حتى يكاد المواطن يحتاج إلى تصريح لكي ينتقل من شارع إلى شارع.
لكن كثرة النقاط لا تعني بالضرورة قوة الأمن.
يمكن أن يكون لديك مائة حاجز، ومع ذلك تستطيع شحنة واحدة أن تمر إذا كان الشخص الذي يحملها يعرف كيف يتحدث، وماذا يقول، ولمن يتصل، وأي بطاقة يبرز.
وهنا يجب التوقف عند ما أعلنته الأجهزة الأمنية بشأن عمليات التهريب الأخيرة، خصوصاً الحديث عن استخدام صفات أو وسائل تساعد على تسهيل الحركة.
لأن السؤال ليس فقط: هل فتشنا السيارة؟
السؤال الأهم:
هل تحققنا ممن يقودها؟ وهل تحققنا من التصريح؟ وهل التصريح حقيقي؟ وهل المهمة التي يحملها تتطابق مع واقعها؟ وهل توجد قاعدة بيانات تستطيع النقطة الأمنية الرجوع إليها فوراً؟
أما أن يحمل شخص بطاقة عسكرية ثم يصبح بمجرد إبرازها «فوق الشبهات»، فهذه ليست منظومة أمنية؛ هذه دعوة مفتوحة لمن يريد أن يستغل الزي الرسمي.
أخطر ما يمكن أن يتسرب ليس السلاح
السلاح يمكن اكتشافه.
المتفجرات يمكن العثور عليها.
السيارة يمكن تفتيشها.
لكن المعلومة أخطر من كل ذلك.
إذا عرف الخصم موعد تحرك قوة، أو مكان اجتماع قائد، أو موقع مخزن، أو طريقة دخول منشأة، أو أسماء أفراد الحماية، فقد لا يحتاج إلى إدخال مسدس واحد.
ولهذا فإن مكافحة الاختراق الأمني تبدأ من حماية المعلومات.
من يعرف ماذا؟
ومن يملك حق الوصول إلى ماذا؟
ومن يستطيع تصوير الوثائق؟
ومن يستطيع معرفة تحركات المسؤولين؟
ومن يستطيع استخدام هاتفه داخل موقع حساس؟
ومن يستطيع تمرير معلومة إلى الخارج دون أن يترك أثراً؟
هذه الأسئلة قد تبدو إدارية، لكنها في الحرب أسئلة حياة أو موت.
ومكافحة الاختراق لا تعني إطلاق العنان للشائعات. ولا تعني أن كل غريب او نازح «حوثي»، وكل شخص من صنعاء «طابور خامس»، وكل موظف لديه قريب في مناطق الحوثيين «عميل».
المطلوب فعلا هو عمل استخباراتي دقيق قائم على الأدلة، فالمجرم يُلاحق بما فعله وما تثبته التحقيقات، لا بما يبدو عليه.
ماذا تحتاج عدن؟
تحتاج عدن إلى الانتقال من أمن متخصص ينتمي للأرض ولا يعتمد على كثرة الحواجز بل إلى أمن يعتمد على المعلومة والتحليل وربط البيانات.
تحتاج إلى تدقيق دوري في العاملين بالمواقع الحساسة.
تحتاج إلى التحقق الإلكتروني من الهويات والتصاريح.
تحتاج إلى مراقبة حركة الأسلحة والذخائر والمركبات الرسمية.
تحتاج إلى تتبع الأموال التي تصل إلى الشبكات المشبوهة وأولها شبكة المقاوتة وما تتقله سياراتهم يوميا وسط القات إلى عدن.
وتحتاج قبل ذلك كله إلى معرفة أن الخلية التي تضبط اليوم ليست بالضرورة الخلية الوحيدة.
لقد أثبتت عمليات دار سعد الأخيرة أن العمل الاستخباراتي والمتابعة الميدانية يمكن أن يسبقا العملية التخريبية ويمنعا وقوعها. وهذه نقطة مهمة ينبغي البناء عليها.