شهدت محافظات جنوب اليمن، ولا سيما حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى وأبين، خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، تشكيل عدد من المجالس التنسيقية برعاية ودعم سعوديين، في سياق سياسي وأمني أعقب التطورات التي شهدتها حضرموت مطلع عام 2026، وما تبعها من خطوات سعودية لحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي. ويأتي إنشاء هذه المجالس في ظل فراغ سياسي سعت الرياض إلى التعامل معه عبر تشكيل أطر محلية جديدة، بالتزامن مع مساعٍ لإضعاف حضور المجلس الانتقالي الجنوبي والحد من دوره في المعادلة السياسية الجنوبية، الذي ظل خلال السنوات الماضية أحد أبرز الفاعلين السياسيين والعسكريين والأمنيين، وتمتع بقاعدة جماهيرية واسعة، إلى جانب امتلاكه امتداداً تنظيمياً في عدد من محافظات جنوب اليمن واحتضانه شخصيات وتيارات جنوبية متعددة، بما في ذلك ممثلون عن أحزاب وقوى سياسية مختلفة.
ولم تقتصر عملية التشكيل على الرعاية السعودية، إذ برز فيها حضور لافت لأحزاب سياسية ذات ثقل شمالي، عبر أعضاء جنوبيين ينتمون إليها ويشاركون في هذه المجالس بصفة مستقلة، بما يمنح تلك الأحزاب نفوذاً غير معلن في توجيه قرارها. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن طبيعة هذه المجالس، وأهداف تشكيلها، ومدى قدرتها على بناء شرعية سياسية ومجتمعية محلية، في ظل ارتباط نشأتها بالرعاية السعودية والتأثير الشمالي من جهة، وغياب مؤشرات واضحة حتى الآن على امتلاكها حاضنة شعبية مماثلة لتلك التي استطاعت قوى جنوبية أخرى بناءها خلال السنوات الماضية من جهة أخرى.
دوافع التشكيل وأهدافه
عقب أحداث حضرموت في يناير 2026، اتجهت الرياض إلى إعادة ترتيب ملف التمثيل السياسي الجنوبي، من خلال التعامل مع مكونات جنوبية متعددة بهدف التحضيرلمؤتمر حوار جنوبي جنوبي، وذلك بعد قرار انفرادي بحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي. غير أن هذه المقاربة اصطدمت بتعقيدات سياسية وتباينات داخلية حالت دون بلورة توافق واضح بشأن طبيعة المرحلة المقبلة وشكل التمثيل الجنوبي فيها. ومن أبرز هذه التباينات الخلاف حول المرجعية السياسية والسقف الذي سيُعقد تحته مؤتمر الحوار الجنوبي. ووفقًا لمصادر خاصة في الرياض تحدثت إلى مركز سوث24، يشترط رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، أن ينعقد المؤتمر تحت سقف الحفاظ على وحدة اليمن، في حين ترى قوى وشخصيات جنوبية أن الحوار ينبغي أن يترك مفتوحاً أمام خيارات سياسية تتجاوز هذا السقف.
ويكتسب هذا الخلاف أهمية خاصة في ضوء مواقف سابقة لمسؤولين سعوديين، تدعم حق الجنوبيين في إيجاد حل سياسي شامل، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يضمن حق شعب الجنوب في تحديد مستقبله السياسي وتقرير مصيره، بما في ذلك "استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة". ومن ثم، فإن الخلاف حول سقف المؤتمر يتجاوز البعد الشكلي إلى جوهر قضية الجنوب، إذ يطرح سؤالاً مركزياً حول من يملك حق تحديد مسار التسوية السياسية ومخرجاتها: القوى الجنوبية ذاتها، أم تُحدد في إطار واسع تشارك وتتدخل فيه الأطراف اليمنية الأخرى؟
لذا، وفي ظل هذا التباين، وبالتزامن مع محاولات إضعاف الدور السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي وموقفه المعلن بشأن إقامة دولة جنوبية مستقلة، بدأت تظهر على الأرض ملامح تشكيل أطر تنسيقية ومجالس محلية جديدة في عدد من محافظات الجنوب. وتحظى هذه الأطر بدعم وتأييد من بعض المكونات والشخصيات المحسوبة على الرئاسة، في سياق يُنظر إليه من قبل أطراف جنوبية كجزء من محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي وفق مقاربة سعودية، وبدعم من قوى وشخصيات وأحزاب من شمال اليمن. وفي المقابل، ترفض قوى وتيارات جنوبية أخرى في الداخل هذه التشكيلات، وتعتبرها محاولة لـ "تفريخ المكونات" وإعادة توزيع التمثيل السياسي الجنوبي، بما قد يؤدي، وفقًا لهذه الرؤية، إلى تعميق الانقسامات وإضعاف وحدة الموقف السياسي الجنوبي، بدلاً من بناء توافق واسع حول مستقبل قضية الجنوب.
ويتمثل أحد أبرز التحديات في أن تعدد المجالس والأطر السياسية الجنوبية، من دون وجود مركز سياسي موحّد وكيان متماسك قادر على بلورة رؤية جامعة، قد لا يؤدي بالضرورة إلى توسيع التمثيل الجنوبي بقدر ما قد يفضي إلى تشتيت مركز القرار السياسي. وتزداد أهمية هذه المسألة في حال استئناف العملية السياسية أو حدوث تقدم في مسار التسوية مع الحوثيين؛ إذ سيصبح السؤال الأساسي: من يمتلك التفويض لتمثيل قضية الجنوب والتفاوض باسمها؟ فغياب جهة سياسية واضحة تتمتع بقدر كافٍ من الشرعية الشعبية والقدرة على جمع المواقف الجنوبية قد يحوّل التعدد السياسي من عنصر إثراء للتمثيل إلى عامل ضعف في القدرة التفاوضية.
ثمة إشكالية أشد خطورة، تتمثل في أن عدداً كبيراً من أعضاء المجالس التنسيقية ينتمون إلى أحزاب سياسية تخضع لهيمنة شمالية، حتى وإن كانوا جنوبيين ويقدّمون أنفسهم بصفة مستقلة. ويعني ذلك أن هذه المجالس ستظل في المحصلة النهائية خاضعة لتوجيه تلك الأحزاب، ومنها المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، بل والحزب الاشتراكي الذي باتت مراكز التأثير فيه شمالية. وعليه، سيؤدي المنتمون إلى هذه الأحزاب أدواراً تخدم أجنداتها الحزبية بلباس جنوبي، دون أن يظهر الحزب طرفاً رسمياً في العملية. والنتيجة أن القرار داخل هذه المجالس سيبقى مرتهناً للمركزية الحزبية الشمالية، ويُتخذ فعلياً من المركز لا من الجنوب.
ويصبّ هذا الواقع في المحصلة لصالح طرفين، الأفراد المنتمين إلى هذه الأحزاب، والأحزاب ذاتها. فعلى مستوى الأفراد، يعزّز انخراطهم في المجالس التنسيقية حضورهم ونفوذهم داخل أحزابهم، وهو ما يعكس بدوره قوةً للحزب نفسه. أما على مستوى الأحزاب، فإنها تتمكن من فرض رؤيتها على مسار الحوار الجنوبي ومخرجاته دون أن تكون طرفاً مشاركاً فيه بصورة رسمية. ويُعزى ذلك إلى ما تتمتع به هذه الأحزاب من قدرة تنظيمية عالية، مقارنة بالمكونات الجنوبية الصغيرة ذات التأثير المحدود. ومن ثمّ، فإن هذه الأحزاب قادرة على تطويق تلك المكونات واحتوائها داخل المجلس التنسيقي، حتى في ظل تمثيل متكافئ من الناحية الشكلية، لأن التفوق التنظيمي يمنحها ثقلاً يتجاوز التمثيل العددي. وبالتبعية، سينتقل مركز التحكم في القرار داخل عملية الحوار الجنوبي إلى أيدٍ شمالية.
وتبرز في هذا السياق سابقة تشكيل "مجلس حضرموت الوطني" عام 2023 برعاية سعودية. فقد هيمنت الأحزاب ذات الثقل الشمالي، وفي مقدمتها حزبي "الإصلاح والمؤتمر" على الجزء الأكبر من تركيبته، وهو ما يقدّم مؤشراً عملياً على المآل المرجّح لأي مجلس تنسيقي يُبنى على الأسس ذاتها.
إذ إن جوهر الحوار الجنوبي- الجنوبي يقوم على مشاركة مكونات سياسية جنوبية ذات طابع وطني عابر للجهويات، تمثّل الجنوب في مجمله. فهذه المكونات، وإن تباينت في بُناها التنظيمية، تتقاطع في رؤيتها السياسية، بما يجعل التوافق فيما بينها ممكناً حين تلتقي على طاولة واحدة. في المقابل، فإن اعتماد مجالس تنسيقية على أساس جهوي ومناطقي، أي على مستوى المحافظات، سيؤدي إلى كيانات متنافرة وغير متماسكة، تفتقر إلى موقف موحد أو مشروع سياسي متوافق عليه، ويغلب فيها ولاء كل عضو لحزبه على تمثيله للجنوب. ويضع هذا الواقع الحوار الجنوبي أمام مآلين لا ثالث لهما. فإذا اتفقت هذه المجالس، فسيكون اتفاقها على القبول بصيغة وحدوية مع الشمال، فيدرالية أو غيرها. وإذا اختلفت، فسيتشظى الموقف الجنوبي ذاته وتتجه البلاد نحو تجزئة الجنوب. وفي الحالتين، سيُفرَّغ مشروع الحوار الجنوبي الذي ترعاه الرياض من مضمونه.
ولا تقتصر هذه المعادلة، أي الوحدة مع الشمال أو تجزئة الجنوب، على كونها احتمالاً نظرياً، فقد تجلّت عملياً في محطات سابقة. ففي عام 2022، شرعت بعض الأحزاب، وفي مقدمتها التجمع اليمني للإصلاح، في الترويج لفكرة "دولة حضرموت المستقلة"، ورُفعت في فعالياتها أعلام الدولة الكثيرية. واللافت أن الترويج لهذه الفعاليات جاء من قوى وحدوية في الأساس، وهي مفارقة تكشف أن خيار التجزئة يبقى البديل الجاهز لدى هذه القوى متى تعذّر عليها فرض الوحدة مع الشمال. ومن ثمّ، فإن تشكيل المجالس التنسيقية وفق الآلية المطروحة قد يعيد إنتاج المسار ذاته.
لا حاضنة شعبية
تؤكد قوى جنوبية عديدة، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، أن المجالس التنسيقية تفتقر إلى حاضنة شعبية. ويؤيد هذا الواقعَ حجم الفعاليات الجماهيرية الواسعة التي تشهدها العاصمة عدن وسائر محافظات الجنوب منذ يناير الماضي، والتي تعكس استمرار التفاف القاعدة الشعبية في معظم المحافظات حول المشروع السياسي الذي يتبناه المجلس الانتقالي. ويعني ذلك أن أي مسار حواري يُبنى على هذه المجالس سيظل منفصلاً عن الإرادة الشعبية الجنوبية، ومن ثم يفتقر إلى المشروعية اللازمة لإنفاذ مخرجاته.
إذ لا يعكس توقيت الإعلان عن هذه المجالس حاجة نابعة من الشارع، بقدر ما يندرج ضمن ترتيبات مفروضة من الأعلى تهدف إلى إعادة تشكيل الإرادة السياسية في الجنوب والتأثير في استقلالية قراره. فقد نشأت هذه المجالس في بيئة مرتبطة بسلطة الأمر الواقع وبالدعم الإقليمي السعودي، ويأتي تشكيلها كمحاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي في ظل غياب المكونات السياسية ذات التأثير الكبير في الشارع، ودون رصيد شعبي واضح يضمن استمرارها خارج مؤسسات السلطة. ومن ثمّ، فإن بقاء هذه المجالس سيظل مرهوناً بالدعم الحزبي والإقليمي لا بالقبول الشعبي، وهو ما يضعف قدرتها على تمثيل الجنوب أو الالتزام بأي مخرجات حوارية.
الخلاصة والمآلات
تكشف قراءة مسار تشكيل المجالس التنسيقية في جنوب اليمن أنها لم تنشأ استجابة لحاجة سياسية أو مجتمعية، بل جاءت كأداة بديلة للمجلس الانتقالي الجنوبي لإدارة المرحلة القادمة، وملء الفراغ الذي خلفه بأطر محلية قابلة للتوجيه. وتجتمع في هذه المجالس ثلاث سمات رئيسية: رعاية إقليمية تمنح السعودية نفوذ في التحكم بمساراتها، واختراق حزبي ذو ثقل شمالي يوجّه قرارها، وبنية جهوية تفتقر إلى رؤية جنوبية جامعة. وفي ظل غياب الحاضنة الشعبية، تبدو هذه المجالس كيانات فوقية تستمد بقاءها من الدعم الخارجي لا من الشارع الذي يُفترض أنها تمثّله.
وبناءً على ذلك، فإن المضي في هذا المسار سيقود على الأرجح إلى جملة من النتائج:
أولاً، على مستوى الحوار الجنوبي البيني: إن حواراً تُشكّل هذه المجالس ركيزته لن يكون حواراً جنوبياً-جنوبياً بالمعنى الفعلي، بل حواراً تُصاغ مخرجاته سلفاً خارج الإرادة الجنوبية. وستنحصر نتائجه بين مآلين: صيغة وحدوية تُفرض تحت سقف مسبق، أو تشظٍّ في الموقف الجنوبي يفتح الباب أمام مشاريع التجزئة.
ثانياً، على مستوى المشروعية: ستفتقر أي مخرجات تصدر عن هذا المسار إلى المشروعية الشعبية اللازمة لإنفاذها. وهذا يعني أنها ستبقى حبراً على ورق ما دامت القاعدة الجماهيرية ملتفة حول مشروع سياسي مغاير.
ثالثاً، على مستوى التسوية الشاملة: سيُضعف تشتيت التمثيل الجنوبي الموقف التفاوضي للجنوب في أي عملية سياسية مقبلة، ولا سيما في مسار التسوية مع الحوثيين. فسيتعدد المتحدثون باسم الجنوب ويغيب المفوَّض الفعلي بتمثيله، فتُحسم قضيته على طاولات لا يملك فيها صوتاً موحداً.
رابعاً، على مستوى الاستقرار: إن اتساع الفجوة بين الأطر المفروضة من الأعلى والإرادة الشعبية على الأرض قد يغذّي حالة من الاحتقان والاستقطاب داخل الجنوب، وسيجعل ذلك المشهد أكثر ضعفاً، ويضع الطرف الراعي لها (السعودية) أمام كلفة سياسية وأمنية مرتفعة.
وفي المحصّلة، لن تمثل المجالس التنسيقية بصيغتها الراهنة، حلاً لإشكالية التمثيل الجنوبي بقدر ما تعيد إنتاجها بصورة أعقد. فأي مقاربة لا تنطلق من القوى ذات الحاضنة الشعبية الفعلية، ولا تترك للجنوبيين حق تحديد سقف حوارهم ومخرجاته، ستظل عاجزة عن إنتاج تسوية مستدامة، وسترحّل الأزمة بدلاً من معالجتها.
فريدة أحمد : المديرة التنفيذية لمركز سوث24 للأخبار والدراسات.