آخر تحديث :الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - 02:56 م

اخبار وتقارير


باحث وخبير سياسي روسي : التقارب السعودي الإماراتي.. هل أعادت الحرب رسم معادلة الجنوب؟

الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - 02:28 م بتوقيت عدن

باحث وخبير سياسي روسي : التقارب السعودي الإماراتي.. هل أعادت الحرب رسم معادلة الجنوب؟

عدن تايم / خاص

زيارة نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان إلى المملكة العربية السعودية اليوم، بدعوة من وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، تأتي في لحظة شديدة الحساسية، لا يمكن فصلها عن التطورات العسكرية الخطيرة في اليمن والمنطقة. فالزيارة المعلنة رسمياً باعتبارها �زيارة أخوية� تأتي في وقت تتعرض فيه السعودية لضغوط متزايدة من هجمات الحوثيين، وفي وقت أصبحت فيه الحرب اليمنية نفسها أمام معادلة عسكرية مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل أشهر.


السؤال هنا ليس هل ستعود العلاقات السعودية الإماراتية إلى طبيعتها فقط، وإنما: هل اكتشفت الرياض، بعد أشهر من الصدام في الجنوب، أن إقصاء أبوظبي والقوى الجنوبية التي كانت تعتمد عليها ترك فراغاً عسكرياً وسياسياً لم تستطع القوى التي اعتمدت عليها السعودية أن تملأه؟


في بداية العام وصلت الأزمة السعودية الإماراتية في اليمن إلى ذروتها. تقدمت قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي في مناطق جنوبية وشرقية، فردت السعودية عسكرياً واستعادت قوات مدعومة منها السيطرة على مناطق في حضرموت، ثم أعلنت قيادة في المجلس الانتقالي حل المجلس، بينما رفضت قيادات أخرى، وعلى رأسها رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، الاعتراف بذلك، وغادر الزبيدي إلى أبوظبي. وقد وثقت رويترز في يناير الانقسام داخل المجلس وربطته مباشرة بالخلاف السعودي الإماراتي حول اليمن.


ومن وجهة النظر السعودية آنذاك، كان الهدف هو إعادة توحيد المعسكر المناهض للحوثيين تحت مظلة واحدة، ومنع أي تحرك جنوبي منفرد يهدد الترتيبات التي تقودها الرياض. لكن التطورات اللاحقة طرحت سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما يتم إضعاف أحد أهم المكونات العسكرية الجنوبية، من دون بناء بديل سياسي وعسكري قادر على مواجهة الحوثيين؟


الحرب الأخيرة قدمت جزءاً من الإجابة.


ففي سبتمبر تمكن الحوثيون من التقدم بسرعة على الساحل الغربي، والسيطرة على مدينة المخا ومناطق أخرى وجزر استراتيجية، بما فيها جزيرة ميون، الأمر الذي عزز قدرتهم على التأثير في باب المندب. وأكدت تقارير دولية أن هذا التقدم كشف هشاشة وانقسام القوى المناهضة للحوثيين، بينما تحدثت وكالة أسوشيتد برس عن انسحاب قوات حكومية وقوى أخرى تحت ضغط الهجوم الحوثي السريع.


وهنا تظهر المفارقة الكبرى.


القوى التي كانت تُقدَّم باعتبارها جزءاً من مشروع استعادة الدولة اليمنية والحليف الرئيسي للرياض في مواجهة الحوثيين، لم تستطع منع الانهيار السريع في الساحل الغربي. وفي المقابل، بقيت القوات الجنوبية، بما فيها تشكيلات قاتلت الحوثيين لسنوات، حاضرة في المواجهة الجنوبية والحدودية، وهو ما يعيد إلى الواجهة حقيقة لا يمكن تجاهلها: في اليمن توجد قوة عسكرية جنوبية على الأرض، لكن لا يوجد حتى الآن إطار سياسي جنوبي موحد قادر على ترجمة هذه القوة والتضحيات إلى مشروع سياسي واضح.


وهذا هو الدرس الأهم بالنسبة للرياض.


الإمارات كانت قد بنت خلال السنوات الماضية علاقات وثيقة مع قوى جنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، كما دعمت تشكيلات عسكرية قاتلت الحوثيين في مناطق الساحل الغربي والجنوب. وبغض النظر عن الخلاف السياسي بين أبوظبي والرياض حول مستقبل اليمن والجنوب، فإن الوقائع العسكرية أظهرت أن تفكيك التحالفات القديمة لا يؤدي بالضرورة إلى تقوية المعسكر المناهض للحوثيين؛ بل قد يؤدي، إذا لم يوجد البديل، إلى زيادة الفراغ.


كما أن حزب الإصلاح والقوى السياسية الشمالية التي ارتبطت طويلاً بمؤسسات �الشرعية� ما زالت تملك حضوراً سياسياً وإعلامياً أكبر بكثير من حضورها العسكري الفعلي في كثير من الجبهات. وهذه المفارقة أصبحت أكثر وضوحاً مع الهجوم الحوثي الأخير.


ومن هنا يمكن فهم التقارب السعودي الإماراتي المحتمل من زاوية أوسع من اليمن وحده. فهناك عدو مشترك يتمثل في إيران وشبكة القوى المسلحة المرتبطة بها في المنطقة، وهناك خطر مباشر على أمن الخليج والممرات البحرية، خصوصاً بعد وصول الحوثيين إلى مناطق استراتيجية قرب باب المندب. وقد وصفت تقارير دولية السيطرة الحوثية على الساحل الغربي والجزر القريبة من المضيق بأنها تطور يهدد الملاحة والتجارة الدولية.


لكن عودة التنسيق بين الرياض وأبوظبي، إذا حدثت، لا تعني بالضرورة عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الخلاف. فالملف الجنوبي أصبح أكثر تعقيداً، والسؤال الحقيقي هو: هل تستطيع السعودية والإمارات الوصول إلى صيغة جديدة تتعامل مع الجنوب باعتباره طرفاً سياسياً وعسكرياً لا يمكن تجاوزه؟


ومن هنا تأتي مسألة عودة المجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته، وعلى رأسها عيدروس الزبيدي، إلى عدن والجنوب. لا توجد حتى الآن معلومات رسمية تؤكد أن هذه العودة أصبحت جزءاً من اتفاق سعودي إماراتي، ولذلك سيكون من الخطأ اعتبارها أمراً محسوماً. لكنها في الوقت نفسه أصبحت واحدة من أهم الأسئلة التي ستكشفها المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا كانت الرياض تريد إعادة بناء جبهة عسكرية حقيقية في مواجهة الحوثيين.


والأمر نفسه ينطبق على رشاد العليمي. فالمسألة ليست شخص العليمي وحده، وإنما نموذج سياسي كامل يعتمد بدرجة كبيرة على قيادة ومؤسسات موجودة خارج اليمن، بينما تتغير الخريطة العسكرية على الأرض بسرعة. وإذا كانت السعودية بصدد إعادة تقييم استراتيجيتها اليمنية، فمن الطبيعي أن يكون شكل القيادة السياسية اليمنية جزءاً من هذه المراجعة، لكن لا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية كافية للقول إن قراراً اتُخذ بإبعاده.


الأهم من كل ذلك أن الجنوب لا يستطيع أن ينتظر نتائج التفاهم السعودي الإماراتي وكأنه مجرد متفرج. الحرب أثبتت أن الجغرافيا الجنوبية، من باب المندب إلى عدن وحضرموت والمهرة، ليست تفصيلاً في الصراع اليمني، وأن القوة التي تقاتل على الأرض ستحتاج بعد الحرب إلى إطار سياسي يمثلها ويحمي تضحياتها ويحدد الهدف الذي تقاتل من أجله.


لذلك فإن السؤال الذي يواجه الرياض وأبوظبي ليس فقط: كيف نعود إلى التحالف القديم؟ بل: كيف نبني تحالفاً جديداً لا يكرر أخطاء الماضي؟


إذا كانت الحرب الأخيرة قد كشفت شيئاً، فهو أن استبعاد الجنوب سياسياً لا يلغي وجوده عسكرياً، وإضعاف القوى التي تقاتل الحوثيين على الأرض لا يؤدي تلقائياً إلى تقوية �الشرعية�. كما كشفت أن المعادلة اليمنية لا يمكن إدارتها بالكامل من الفنادق والعواصم الخارجية بينما تُترك الجبهات للقوى المحلية لتدفع الثمن.


زيارة منصور بن زايد إلى الرياض اليوم قد تكون بداية اتصالات أوسع، وقد تكون مجرد خطوة لتطبيع العلاقات وتنسيق المواقف أمام خطر إقليمي متصاعد. لكن قيمتها الحقيقية ستظهر في الملفات التي ستليها: هل ستعود الإمارات إلى الساحة الجنوبية؟ هل سيعاد الاعتبار للقوى الجنوبية؟ هل يعود الزبيدي وقيادات الانتقالي إلى الجنوب؟ هل يعاد تشكيل المعسكر المناهض للحوثيين على أساس القوة الفعلية على الأرض؟ وهل ستبقى القيادة اليمنية الحالية كما هي أم تبدأ الرياض إعادة ترتيب أوراقها؟


كل هذه الأسئلة مفتوحة حتى الآن.


لكن المؤكد أن الحرب الأخيرة غيّرت الحسابات. وما كان يمكن تأجيله سياسياً قبل أشهر أصبح اليوم مرتبطاً مباشرة بأمن السعودية والخليج وباب المندب. ولذلك فإن الأيام والأسابيع القادمة لن تكشف فقط طبيعة التقارب السعودي الإماراتي، بل قد تكشف أيضاً ما إذا كانت الرياض قد تعلمت من تجربة الجنوب، وما إذا كانت ستتعامل مع الجنوب باعتباره مشكلة يجب احتواؤها، أم شريكاً أساسياً في مواجهة الخطر الحوثي وصياغة مستقبل المنطقة.



دينيس كوركودينوف كاتب وباحث وخبير سياسي روسي، يشغل منصب المدير العام والمدير التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي الروسي