لم يكن إعلان انطلاق العمليات العسكرية في مختلف الجبهات مجرد قرار عسكري عابر، بل جاء في لحظة سياسية وعسكرية شديدة الحساسية، بعدما أصبح الحوثيون على مقربة من منزل رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وبعد وصولهم إلى مناطق قريبة من منزل رئيس مجلس النواب سلطان البركاني في محافظة تعز.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل جاء القرار متأخرًا، أم أنه جاء في اللحظة التي شعرت فيها القيادة بأن الخطر أصبح يهدد رمزية السلطة نفسها؟
بحسب ما كان متداولًا، فإن قرار إطلاق العمليات العسكرية على نطاق واسع كان مطروحًا قبل أكثر من شهرين. ولو اتُّخذ القرار في ذلك الوقت، أو بالتزامن مع الهجوم الحوثي على المخا، لربما كان المشهد مختلفًا، ولما تمكن الحوثيون من التقدم نحو المناطق الساحلية والوصول إلى مواقع ذات أهمية استراتيجية بالقرب من باب المندب.
لكن تأخر القرار أتاح للحوثيين تحقيق مكاسب ميدانية متتالية، في وقت كان يفترض أن تكون الأولوية فيه لمنع تمددهم والسيطرة على المناطق الاستراتيجية.
والأكثر إثارة للتساؤل هو أن البعض يرى أن تأخير المواجهة لم يكن عسكريًا فقط، وإنما ارتبط بحسابات سياسية داخل المعسكر المناهض للحوثيين، خصوصًا فيما يتعلق بطارق صالح وقواته. فإذا كان الهدف بالفعل هو إعادة ترتيب موازين القوى داخل المعسكر نفسه قبل مواجهة الحوثيين، فإن النتيجة كانت أن الحوثي استفاد من هذا التأخير، بينما دفع الجميع ثمن الصراع على النفوذ.
عندما يصبح منزل الرئيس جزءًا من المعركة
اليوم، لم يعد الخطر الحوثي بعيدًا أو محصورًا في جبهات القتال التقليدية. وصول الحوثيين إلى مناطق قريبة من منزل سلطان البركاني، واقترابهم من منزل رشاد العليمي، يحملان رسالة تتجاوز البعد العسكري.
فمنزل رئيس مجلس القيادة الرئاسي ليس مجرد منزل شخصي؛ إنه رمز لسلطة سياسية يفترض أنها تمثل الدولة اليمنية المعترف بها. ولذلك فإن الاقتراب منه يضع القيادة أمام اختبار بالغ الخطورة: إما أن تتحرك، أو أن تسمح للحوثيين بتحويل التقدم العسكري إلى انتصار سياسي ورمزي.
ومن هنا يمكن فهم الإعلان عن إطلاق العمليات العسكرية بشكل كامل في مختلف الجبهات باعتباره محاولة لوقف هذا المسار قبل أن يصل إلى نقطة يصعب التراجع عنها.
لكن القضية لا تتعلق بمنزل الرئيس وحده.
مأرب.. خط الدفاع الأخير؟
مأرب تمثل في هذه المعادلة أكثر من مجرد محافظة أو جبهة عسكرية. فهي آخر المعاقل الرئيسية التي يمكن أن تمنح الحكومة الشرعية موطئ قدم قويًا في الشمال.
ولهذا فإن سقوط مأرب، في حال حدوثه، لن يكون مجرد خسارة عسكرية، بل قد يتحول إلى نقطة فاصلة في مسار الحرب، لأن الحوثيين سيكونون قد أحكموا سيطرتهم على الجزء الأكبر من جغرافيا الشمال، أو ما كان يعرف قبل عام 1990 بالجمهورية العربية اليمنية.
وعندها ستصبح المعادلة السياسية مختلفة تمامًا.
فأي تسوية سياسية قادمة لن تستطيع تجاهل حقيقة السيطرة على الأرض. ومن يسيطر على الأرض يمتلك ورقة تفاوضية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
هل انتهت عمليًا صيغة الجمهورية اليمنية؟
بعد سنوات طويلة من الحرب، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر في الحرب؟
بل أصبح: ما الشكل الذي ستبدو عليه اليمن بعد الحرب؟
إذا استمر الحوثيون في تثبيت سيطرتهم على الشمال، وفي المقابل استمر الجنوب في التمسك بمشروع استعادة دولته، فإن صيغة الجمهورية اليمنية التي قامت بعد وحدة عام 1990 قد تصبح، عمليًا، أمام واقع جديد لم تعد مؤسساتها قادرة على التعبير عنه.
شمالٌ يخضع للحوثيين، وجنوبٌ يتمسك بمشروع استعادة الدولة، وحكومة شرعية تتقلص مساحتها ونفوذها على الأرض.
وهنا قد تصبح العودة إلى صيغة الدولتين، أو إعادة النظر جذريًا في شكل الدولة اليمنية، واحدة من أكثر القضايا حضورًا في أي تسوية سياسية قادمة.
المشكلة ليست في الحدود.. بل في الواقع الجديد
قد يرى البعض أن الحديث عن استعادة الدولتين هو دعوة إلى تقسيم اليمن، بينما يرى آخرون أن الوحدة بصيغتها الحالية أصبحت واقعًا مستحيلًا بعد أكثر من ثلاثة عقود من الأزمات والحروب.
لكن بعيدًا عن الشعارات، هناك حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: الدول لا تُبنى فقط بالنصوص الدستورية، وإنما أيضًا بالواقع السياسي والعسكري والاجتماعي على الأرض.
وإذا استقر واقع جديد تصبح فيه سلطة الحوثيين أمرًا واقعًا في الشمال، بينما يطالب الجنوب باستعادة دولته، فإن الإصرار على إعادة إنتاج صيغة سياسية أثبتت الحرب أنها عاجزة عن معالجة جذور الأزمة قد لا يكون حلًا، بل تأجيلًا لجولة جديدة من الصراع.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط كيف يمكن إيقاف الحوثيين، وإنما أيضًا: ماذا بعد إيقافهم؟
هل ستعود اليمن إلى الصيغة نفسها التي كانت عليها قبل الحرب؟
أم أن سنوات الصراع قد أنتجت واقعًا جديدًا يستدعي صيغة سياسية جديدة؟
الخلاصة
إن الإعلان عن العمليات العسكرية في هذه اللحظة قد يكون محاولة لإنقاذ ما تبقى من نفوذ الحكومة ومنع الحوثيين من تحقيق انتصار عسكري وسياسي ورمزي كامل.
لكن إنقاذ السلطة لا يعني بالضرورة إنقاذ الصيغة السياسية التي قامت عليها الجمهورية اليمنية منذ عام 1990.
فالواقع الذي أنتجته سنوات الحرب أصبح أقوى من الشعارات، وأصبح من الصعب تجاهل حقيقة الانقسام السياسي والجغرافي العميق الذي تعيشه البلاد.
ولهذا، فإن أي تسوية قادمة ستحتاج إلى التعامل مع الواقع كما هو، لا كما نريد أن يكون.
وإذا كان الشمال قد أصبح واقعًا تحت سلطة الحوثيين، والجنوب يتمسك بمشروع استعادة دولته، فإن إعادة النظر في صيغة الوحدة نفسها قد لا تكون نهاية الحل، بل ربما تكون بداية البحث عن حل أكثر واقعية للصراع اليمني.