آخر تحديث :الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - 06:22 م

تحقيقات وحوارات


عكاد.. القرية التي ترك أهلها مفاتيح بيوتهم خلفهم: القصف يحوّل منازل تعز إلى ذاكرة معلّقة

الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - 05:52 م بتوقيت عدن

عكاد.. القرية التي ترك أهلها مفاتيح بيوتهم خلفهم: القصف يحوّل منازل تعز إلى ذاكرة معلّقة

عدن تايم / موسى المليكي


لم تكن عكاد تعرف أن مفاتيح البيوت يمكن أن تصبح أثقل من أبوابها.في القرية الجبلية الواقعة على ارتفاع يزيد على 950 متراً فوق سطح البحر، تبدو الأشياء في أماكنها، لكن أصحابها غائبون. أبواب مغلقة، أزقةخالية، خزانات مياه تحيط بها عبوات وأدوات تركت على عجل، وأرجوحة معلقة بإطار سيارة تنتظر أطفالاً لم يعودوا إليها.

هنا، لا يبدو النزوح في صورته المعتادة. لا صفوف طويلة من السيارات، ولا مشهد واضح للحظة الرحيل. كل ما في الأمر أن الحياة اختفت.


غادر السكان، وبقيت البيوت.

غادر الأطفال، وبقيت الأرجوحة.


غادر أصحاب المنازل، وبقيت مفاتيحها تتنقل بين أيدي الجيران.


في عكاد، تكفي جولة قصيرة في القرية لفهم أن الحرب لا تحتاج دائماً إلى أن تترك وراءها مباني مهدمة حتى تُرى آثارها. أحياناً يكفي باب مغلق، وبيت بلا صوت، ومفتاح يحمله شخص لم يعد صاحبه قادراً على استخدامه.


مفاتيح بيوت الغائبين

يمسك نصر الدين عبدالله سعيد فمجموعة من المفاتيح. ليست كلها مفاتيح منزله.

إنها مفاتيح بيوت جيرانه الذين غادروا القرية.


جاء إلى عكاد ليتفقد المنازل ويتأكد من حالها، في مهمة تبدو عادية في زمن السلم، لكنها اكتسبت معنى آخر وسط الحرب: أن يحرس شخص ما بيتاً لم يعد أصحابه قادرين على حراسته.


يقول سعيد: "هذه مفاتيح بيوت الجيران، جئت لأتفقد بعض البيوت وأرى كيف حالها".


المشهد في حد ذاته يلخص جانباً من حياة القرية بعد النزوح. أصحاب البيوت بعيدون، لكن مفاتيحهم لم تذهب بعيداً. بقيت لدى شخص يثقون به، ربما لأنه أقرب وسيلة لمعرفة ما إذا كانت ممتلكاتهم ما تزال في مكانها.


لكن خلف المفاتيح حكاية أخرى أكثر قسوة.


يقول سعيد إن القصف دفع الأهالي إلى المغادرة، مضيفاً: "نعاني كثيراً من هذه القذائف، وقد خاف الناس فأخذ كل منهم أطفاله ورحل".


لم يكن الرحيل بالنسبة إلى الأسر انتقالاً مخططاً من مكان إلى آخر. كان استجابة للخوف، ومحاولة لإبعاد الأطفال عن مصدر الخطر.

وهكذا بدأت عكاد تفقد سكانها بيتاً بعد آخر.


قرية بقيت فيها الأشياء ورحل البشرفي القرية، تبدو آثار الرحيل في تفاصيل صغيرة.


عبوات بلاستيكية قرب خزانات المياه. أدوات منزلية تركت في أماكنها. أبواب أغلقت خلف أصحابها. وأرجوحة معلقة بحبل وإطار مطاطي، كأنها توقفت في منتصف لعبة وانتظرت عودة الأطفال.


لكن الأطفال لم يعودوا.

والأرجوحة لا تعرف أن الغياب الذي كان يفترض أن يكون لساعات أو أيام قد يطول.


هذه التفاصيل تبدو للوهلة الأولى عابرة، لكنها في قرية أفرغها الخوف من سكانها تتحول إلى علامات على حياة توقفت فجأة.

فالمنازل ليست خالية لأن أهلها قرروا تركها، كما يحدث في حالات الانتقال العادي. إنها خالية لأن سكانها لم يعودوا يشعرون بأن البقاء فيها آمن.


وهنا يصبح المنزل نفسه مفارقة مؤلمة: المكان الذي يفترض أن يحمي الأسرة يتحول إلى المكان الذي تخشى الأسرة البقاء فيه.


مئات الأسر خارج القرية

يقول سكان تحدثوا إلى مراسلنا إن مئات الأسر غادرت عكاد ومناطق مجاورة بسبب القصف، وإن كثيراً من النازحين وجدوا أنفسهم في مخيمات أو قرى قريبة، فيما بقيت منازلهم الأصلية خلفهم.

ومن بين الذين عادوا إلى عكاد لتفقد منزلهم الشاب محمد نعمان النويهي.


يقول النويهي إن مئات الأسر نزحت من القرية بسبب ما وصفه بالقصف العشوائي، مشيراً إلى أن الأسر توزعت بين المخيمات والقرى المجاورة، فيما يعود بعض أفرادها من وقت إلى آخر للاطمئنان على منازلهم وممتلكاتهم.


لكن حتى العودة المؤقتة لا تعني أن الخوف انتهى.

يقول النويهي: "الخوف لا يكون في الليل فقط، بل أيضاً في النهار بسبب القصف العشوائي".


الجملة تختصر تحول الخوف من حالة مرتبطة بوقت محدد إلى جزء من الحياة اليومية.

في الحرب، قد يرتبط الخطر أحياناً بالليل، حين يصبح الناس أكثر قلقاً من أصوات القصف. لكن في عكاد، كما يقول السكان، لم يعد النهار ضمانة للأمان.


وهكذا لم يعد السؤال: متى يعود الناس إلى منازلهم؟

بل أصبح: متى يصبح من الممكن أصلاً العودة؟

البيت الذي ينتظر صاحبه

في حياة سكان عكاد، لم تكن المنازل مجرد جدران وأسقف.

كانت المكان الذي تربى فيه الأطفال، وعاشت فيه الأسر سنوات، وتراكمت فيه الممتلكات والذكريات. لذلك فإن مغادرة البيت لا تعني بالنسبة إلى النازحين فقدان مكان للنوم فقط، وإنما الانفصال عن جزء من حياتهم.


عندما غادرت الأسر القرية، أخذت معها ما استطاعت حمله.


أما ما لم تستطع حمله، فبقي خلف الأبواب المغلقة.

ملابس، أدوات منزلية، أثاث، وثائق ومقتنيات شخصية، وربما أشياء صغيرة لا قيمة مادية كبيرة لها، لكنها تحمل لأصحابها قيمة لا يمكن تعويضها.

كل ذلك أصبح معلقاً خلف أبواب تنتظر أصحابها.

لكن القفل، مهما كان محكماً، لا يستطيع أن يمنح صاحبه شعوراً كاملاً بالأمان.


مفاتيح تحمل أسماء أسر غائبة


في قرية اعتاد أهلها أن يعرف بعضهم بعضاً، أصبح حمل المفاتيح مهمة تحمل بعداً يتجاوز وظيفتها.


كل مفتاح يقود إلى بيت.

وكل بيت يقود إلى أسرة.

وكل أسرة لها قصة نزوح بدأت في لحظة خوف.


يحمل عبد الله حسن أحمد مفاتيح عدد من المنازل، ويؤكد أن سكان المناطق الداخلية، ولا سيما في محافظة تعز، يخشون العودة بسبب خطر القذائف التي يصفها السكان بالخطرة والعشوائية.


في الظروف العادية، يكون المفتاح رمزاً للملكية والخصوصية والاستقرار.

أما في عكاد، فقد أصبح رمزاً للغياب.


فالمفتاح موجود، والباب موجود، والبيت موجود، لكن صاحبه بعيد.


وهذه المفارقة هي أكثر ما يختصر المشهد في القرية.

لا دمار واسعاً.. لكن الحرب واضحة

قد يبحث الزائر في قرية منكوبة بالحرب عن الجدران المنهارة والنوافذ المحطمة وآثار القصف.


لكن عكاد تقدم صورة مختلفة.


هنا يمكن أن تكون الحرب أقل ظهوراً على الجدران وأكثر وضوحاً في غياب البشر.

الطريق الذي يفترض أن يقود إلى بيوت مأهولة يصبح ممراً صامتاً.

الأرجوحة التي يفترض أن تحمل ضحكات الأطفال تصبح قطعة جامدة في فضاء خالٍ.


والباب الذي كان يفتح عشرات المرات في اليوم لا يفتح إلا عندما يأتي أحد الجيران لتفقد المنزل.

إنه نوع آخر من آثار الحرب: أن يبقى المكان قائماً، لكن تختفي منه الحياة.


من القرية إلى المخيم

لم يكن النزوح خياراً سهلاً بالنسبة إلى الأسر.


وراء كل مغادرة قصة قرار اتخذ تحت ضغط الخوف: ماذا نحمل؟ إلى أين نذهب؟ من نستطيع أن نتركه خلفنا؟ ومتى يمكن أن نعود؟

بالنسبة إلى الأسر التي لديها أطفال، تصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً.


حين يسمع الناس القصف، لا يعود التفكير منصباً على الممتلكات، بل على سلامة أفراد الأسرة.


يأخذ الآباء أطفالهم ويغادرون.


وقد يجدون أنفسهم بعد ذلك في مخيم أو لدى أقارب أو في قرية مجاورة، في انتظار أن تهدأ الأوضاع.


لكن النزوح الذي يبدأ باعتباره مؤقتاً يمكن أن يتحول إلى حياة جديدة غير معروفة النهاية.

فكل يوم يمر بعيداً عن المنزل يضيف سؤالاً جديداً: هل يمكن العودة؟

وكل ليلة تمر في مكان النزوح تحمل معها احتمال أن يستمر الغياب يوماً آخر.


تعز.. حين يعود الخوف إلى الجغرافيا القديمة


تأتي قصة عكاد في سياق أوسع من التصعيد الذي شهدته اليمن بعد سنوات من الحرب والهدوء النسبي.


وبحسب المادة المنشورة في 16 سبتمبر/أيلول 2026، عاد اليمن إلى موجة جديدة من القتال في يوليو/تموز، مع تجدد المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية المعترف بها دولياً.


وأشارت المادة، نقلاً عن الأمم المتحدة، إلى أن المعارك التي احتدمت خلال الأسبوع السابق أدت إلى نزوح أكثر من 100 ألف شخص.


وفي محافظة تعز، حيث عرفت مناطق واسعة الصراع على مدى سنوات، لا تبدو عودة أصوات القذائف حدثاً منفصلاً عن ذاكرة السكان.


فالناس هنا يعرفون معنى أن تتحول الجغرافيا إلى خط تماس، وأن يصبح الطريق إلى المنزل محفوفاً بالمخاطر.

بالنسبة إلى سكان عكاد، لا تصل الحرب إليهم عبر شاشات الأخبار فقط.

إنها تصلهم إلى الأبواب.

إلى الأطفال.


إلى خزانات المياه.


إلى تفاصيل الحياة اليومية.

ثم تدفعهم إلى المغادرة.

العودة التي لا تكتمل

يعود بعض السكان إلى عكاد بين فترة وأخرى.


لكن العودة لا تشبه العودة التي يعرفها الناس بعد السفر.

إنها زيارة سريعة إلى مكان لم يعد آمناً بما يكفي للإقامة.

يفتح أحدهم باب منزله، ينظر إلى الغرف، يتفقد الممتلكات، ثم يغادر.


قد يمر على بيت أحد الجيران.


وقد يحمل معه مفاتيح بيوت أخرى.


ثم يعود إلى المكان الذي نزح إليه.


إنها عودة ناقصة.

فالإنسان يعود بجسده، لكنه لا يستطيع أن يعيد أسرته معه.


وهكذا يعيش سكان عكاد بين مكانين: قرية تركوا فيها بيوتهم، ومكان آخر اضطروا إلى اللجوء إليه.

لا هم عادوا، ولا هم استطاعوا أن ينسوا.


عندما يصبح البيت مكاناً بعيداً


من أصعب ما في النزوح أن البيت قد يبقى قريباً على الخريطة، لكنه يصبح بعيداً في الواقع.


قد تكون المسافة قصيرة بين القرية ومكان النزوح، لكن الخوف يجعلها أطول بكثير.

فالعودة لا تتوقف فقط على الرغبة.


تحتاج إلى شعور بالأمان.

وتحتاج إلى أن تتوقف القذائف.


وتحتاج إلى أن يصدق الناس أن بإمكانهم إرسال أطفالهم إلى المدرسة والعودة إلى العمل والنوم ليلاً دون الخوف من سقوط قذيفة.


لهذا، فإن إعادة فتح الأبواب ليست مجرد فعل بسيط.

إنها نتيجة لسلسلة كاملة من الشروط التي لا يملك النازحون وحدهم تحقيقها.


أرجوحة تنتظر الأطفال

في أحد أركان القرية، تبقى الأرجوحة معلقة بإطارها المطاطي.


لا أحد يدفعها.

لا صوت للأطفال حولها.

لا خطوات صغيرة تقترب منها.


إنها صورة تختصر ما حدث أكثر مما تستطيع الأرقام أحياناً أن تفعل.


فالحرب لا تقاس فقط بعدد المنازل التي دمرت، وإنما أيضاً بعدد المنازل التي لم يعد أحد يفتح أبوابها.


ولا تقاس فقط بعدد النازحين، وإنما بالأشياء الصغيرة التي تركوها خلفهم: سرير، لعبة، ملابس، أدوات مطبخ، صورة، أو أرجوحة كانت جزءاً من يوم عادي.


في عكاد، أصبحت هذه الأشياء ذاكرة صامتة للحياة التي كانت موجودة قبل النزوح.


سؤال العودة


كلما عاد أحد السكان لتفقد منزله، يعود السؤال نفسه.

متى يمكن العودة؟

ليس إلى زيارة قصيرة.


ليس لفتح باب والتأكد من أن الأثاث ما يزال في مكانه.

بل للعيش.


لإعادة الأطفال إلى بيوتهم.

لإعادة فتح النوافذ.


لإعادة الحياة إلى الأزقة.

ولكي تصبح مفاتيح المنازل مرة أخرى في أيدي أصحابها، لا في أيدي الجيران.

لكن ذلك اليوم لا يزال مرتبطاً بتطورات الحرب والوضع الأمني في المنطقة.


حتى ذلك الحين، تبقى عكاد معلقة بين احتمالين: قرية يمكن أن تستعيد سكانها، أو مكان يستمر الغياب في ترسيخ نفسه فيه.


مفاتيح بلا أبواب مفتوحة

في نهاية الطريق، لا تحتاج عكاد إلى شاهد يروي قصتها.

الأبواب المغلقة تفعل ذلك.

المفاتيح تفعل ذلك.


الأرجوحة الصامتة تفعل ذلك.

والبيوت التي بقيت واقفة بينما غادر أصحابها تفعل ذلك أيضاً.


يحمل نصر الدين عبدالله سعيد مفاتيح جيرانه، فيما يحمل آخرون ذكريات بيوت اضطروا إلى تركها.


كل مفتاح يفتح باباً، لكنه لا يستطيع أن يفتح الطريق إلى العودة.


ففي عكاد، لم يعد المفتاح مجرد قطعة معدنية.


إنه أثر من آثار النزوح، وعلامة على غياب أصحاب البيوت، وتذكير بأن خلف كل باب مغلق أسرة تنتظر يوماً يصبح فيه فتح الباب أمراً عادياً مرة أخرى.


وربما لهذا تبدو القرية صامتة إلى هذا الحد.


ليس لأنها خالية من الحكايات، بل لأن كل بيت فيها يحمل حكاية أسرة غادرت تحت الخوف، وتركت وراءها مفتاحاً وأشياء كثيرة، واحتفظت بشيء واحد لم تستطع الحرب انتزاعه منها:

الأمل في العودة.