لم يعد السؤال في عدن: هل يستطيع الحوثيون إطلاق الصواريخ باتجاه مطارها الدولي؟ فقد فعلوا ذلك مرارًا. السؤال الأخطر الآن: هل ينجح يحيى سريع في تحويل التهديد إلى قرار إغلاق نهائي، أو يجعل مطار العاصمة المؤقتة رهينةً لبياناته العسكرية؟
اليوم، الأربعاء، 28 أكتوبر، صدر تهديد جديد بإخلاء مطار عدن، بذريعة وجود طائرة شحن عسكرية سعودية. ومع ورود أنباء عن سقوط ثلاثة صواريخ وإلحاق أضرار ببعض جوانب المطار، وجدت السلطات نفسها أمام إجراءات الإخلاء حفاظًا على سلامة المسافرين والعاملين.
وهكذا، لم يعد يحيى سريع بحاجة إلى احتلال المطار حتى يعطّله؛ يكفي أن يطلق تهديدًا، فتتوقف الرحلات، ويرتبك المسافرون، وتدخل السلطات وشركات الطيران في حسابات الخطر.
لكن من سيدفع ثمن إغلاق المطار؟
المفارقة أن الحوثيين لن يعاقبوا عدن وحدها. فالمطار منفذ يحتاج إليه المرضى القادمون من مناطق سيطرتهم، والطلاب، والمغتربون، وكل من يضطر إلى السفر للعلاج أو الدراسة أو العمل. فهل يظن أصحاب الصواريخ أن المريض الذي ينتظر رحلة علاج خارج البلاد يستطيع أن ينتظر حتى تنتهي بيانات يحيى سريع؟
ثم إن خسائر الإغلاق لن تتوقف عند بوابات المطار. الفنادق ستفقد نزلاء، والمطاعم زبائن، وسيارات الأجرة ووسائل النقل ركابًا، ومكاتب السفر وشركات الخدمات أعمالًا. وستتأثر سلسلة واسعة من الأنشطة التي تعيش على حركة المسافرين، في مدينة تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة.
وإذا طال التعطيل، فلن تكون الخسارة مجرد رحلات مؤجلة؛ بل ستصبح ضربة إضافية لاقتصاد عدن، ولما تبقى من قدرتها على استقطاب المسافرين ورجال الأعمال وتقديم الخدمات.
والأكثر إيلامًا أن المواطن قد يجد نفسه محاصرًا بين سلطات لا تستطيع ضمان سلامة مطارها، وجماعة مسلحة تتعامل مع منشأة مدنية وكأنها ورقة ضغط في معركتها السياسية والعسكرية.
وهنا بيت القصيد:
إذا نجح الحوثيون في تعطيل مطار عدن، فهل يكتفون به، أم ينتقلون إلى تهديد الموانئ والطرق والمنشآت الأخرى؟ وهل تتحول حياة المدينة إلى سلسلة من الإخلاءات والتحذيرات، بحيث لا يعرف المواطن في الصباح إن كان سيتمكن من السفر أو الوصول إلى عمله أو استقبال مريض عائد من الخارج؟
عدن ليست مدرجًا للطائرات فحسب؛ إنها مدينة يعيش آلاف الناس من حركة السفر والتجارة والخدمات. وإذا تعطلت هذه الحركة، فإن أثر الصواريخ سيمتد من المطار إلى الفندق والمطعم وسيارة الأجرة والسوق، وصولًا إلى مائدة الأسرة التي تنتظر دخلًا آخر الشهر.
ولذلك، فإن الخطر لا يكمن في أن ينجح الحوثيون في إصابة منشأة هنا أو إيقاف رحلة هناك فقط؛ بل في أن يفرضوا على مدينة كاملة أن تعيش على إيقاع الحديد، وأن تحسب أيامها وفقًا لمواعيد الصواريخ بدلًا من مواعيد الطائرات.
فهل تتحرك السلطات والجهات المعنية بالطيران المدني لحماية هذا المنفذ الحيوي وضمان استمرارية السفر، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في حماية المنشآت المدنية؟ أم سيظل كل تهديد جديد كافيًا لتعطيل حياة الناس، فيما تتراكم الخسائر على مدينة لم تعد تحتمل مزيدًا من الأعباء؟
إن إغلاق مطار عدن، إن حدث، لن يكون انتصارًا على خصم سياسي بقدر ما سيكون عقابًا جماعيًا لليمنيين، شمالًا وجنوبًا، الذين يحتاجون إلى السفر أكثر مما يحتاجون إلى سماع بيان عسكري جديد.
فالمطار الذي تُغلق أبوابه بالصواريخ لا يخسر مدرجه وحده؛ بل يخسر الناس فرصهم في العلاج والعمل والدراسة، وتخسر المدينة جزءًا آخر من حياتها.