إذا قررت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن حرب جديدة وواسعة على إيران عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل -وهذا المرحح-، فلن يكون الجنوب اليمن بمنأى عن تداعياتها. بل قد يجدا نفسهما، مرة أخرى، في قلب مواجهة إقليمية تتجاوز حدوده، وتضع الجنوب تحديداً أمام تحديات أمنية واقتصادية وعسكرية غير مسبوقة.
فالحرب المحتملة لن تكون بالضرورة مواجهة أمريكية إيرانية محصورة داخل الأراضي الإيرانية. إذ تمتلك طهران أوراقاً إقليمية متعددة، وفي مقدمتها جماعة الحوثيين في اليمن، التي قد تتحول إلى إحدى أدوات توسيع نطاق المواجهة، سواء عبر استهداف السفن والمصالح الأمريكية والإسرائيلية، أو تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، أو محاولة استهداف منشآت حيوية في دول الخليج.
وهنا تكمن خطورة الموقع الجغرافي للجنوب؛ فهو يطل على خليج عدن وباب المندب، ويضم موانئ ومطارات ومنشآت اقتصادية تمثل جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي. ولذلك فإن أي تصعيد إيراني في المنطقة قد يجعل هذه الجغرافيا في دائرة التأثر المباشر، حتى إن لم تكن طرفاً في الحرب.
ومن المرجح أن يكون باب المندب إحدى أهم الأوراق التي قد يلجأ الحوثيون إلى استخدامها إذا تعرضت إيران لضربات أمريكية واسعة. وقد لا يكون الهدف إغلاق المضيق بصورة كاملة، فذلك ليس أمراً سهلاً، وإنما رفع مستوى المخاطر على الملاحة الدولية، واستهداف بعض السفن، وإرباك شركات الشحن والتأمين، بما يحوّل البحر الأحمر إلى منطقة اضطراب مستمر.
وإذا حدث ذلك، فلن تقتصر التداعيات على حركة التجارة العالمية، بل ستمتد إلى الموانئ الجنوبية، وتكاليف الاستيراد، وأسعار الوقود والغذاء، فضلاً عن احتمال تعرض المنشآت الساحلية والاقتصادية لمخاطر أمنية متزايدة.
كما أن تعطل الملاحة في باب المندب، بالتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، سيضع أسواق الطاقة والتجارة الدولية أمام أزمة مركبة، ويزيد من أهمية البحر الأحمر وخطوط نقل النفط السعودية باتجاه ميناء ينبع.
وثمة احتمال آخر يتمثل في أن يؤدي انشغال إيران بالمواجهة الأمريكية إلى إعادة ترتيب الحسابات العسكرية في اليمن. فقد يسعى التحالف إلى تعزيز أمنه حدوده ومصالحه النفطية والبحرية، وربما يدعم تحركات عسكرية يمنية تستهدف تقليص نفوذ الحوثيين وتأمين الساحل الغربي ومحيط باب المندب.
لكن لا ينبغي افتراض أن إضعاف إيران سيؤدي تلقائياً إلى انهيار الحوثيين أو حسم المعركة معهم. فالجماعة لا تزال تمتلك قدرات عسكرية وأمنية محلية، وقد تلجأ إلى توسيع عملياتها داخل اليمن لتعويض الضغوط الخارجية، أو محاولة نقل المواجهة إلى المناطق المحررة.
وهذا ما يجعل عدن وحضرموت وشبوة والمهرة مطالبة بالاستعداد لاحتمالات متعددة، لا الاكتفاء بمراقبة الضربات الأمريكية على إيران.
وماذا ينبغي علينا أن نفعل في الجنوب؟
أول ما ينبغي إدراكه أن الاستعداد للحرب لا يعني التورط فيها، وإنما امتلاك القدرة على حماية السكان والمؤسسات والمصالح الاقتصادية من تداعياتها.
وهناك خمسة ملفات ينبغي أن تحظى بالأولوية:
1. حماية المطارات والموانئ: ينبغي إعداد خطط لاستمرار عمل مطارات عدن والريان والموانئ الجنوبية، وتأمين أنظمة الاتصالات والملاحة والخدمات الفنية، ووضع بدائل مدنية عند تعطل الرحلات أو اضطراب حركة الشحن.
2. تأمين شبكة الاتصالات والإنترنت: لم تعد شبكات الاتصالات مجرد خدمات مدنية، بل أصبحت جزءاً من الأمن الوطني. ومن الضروري حماية البنية التحتية الرقمية، وضمان استقلالية تشغيلها، وتوفير قنوات اتصال بديلة للمؤسسات الحيوية، منعاً لاستغلالها في الاختراق والتجسس وتعطيل الخدمات.
ومن المؤسف حقا ان الجهات المعنية لم تقدم حتى اليوم على اي إجراء من شأنه يطمئن المواطن الجنوبي في هذا المجال الحيوي.
3. رفع الجاهزية الأمنية: ينبغي تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية في عدن وحضرموت وبقية المحافظات المحررة، وتكثيف حماية المنشآت الحيوية ومواجهة شبكات التهريب والتخريب، وفق إجراءات قانونية ومهنية لا تستهدف المدنيين أو تحول المخاوف الأمنية إلى اتهامات جماعية.
4. تأمين الاحتياجات الأساسية: يجب إعداد مخزون احتياطي من الوقود والمواد الغذائية والأدوية، ومراجعة سلاسل الإمداد، ووضع خطط للتعامل مع ارتفاع الأسعار أو تعطل الاستيراد أو اضطراب الملاحة البحرية. فالأزمات الكبرى لا تبدأ دائماً بالصواريخ، بل قد تبدأ باختفاء السلع وارتفاع أسعارها.
5. توحيد التقدير السياسي والأمني: من الضروري إنشاء آلية تنسيق مشتركة بين السلطات والقيادات في عدن وحضرموت وشبوة والمهرة، لمتابعة التطورات الإقليمية وتبادل المعلومات وإعداد خطط الطوارئ، بدلاً من أن تتعامل كل محافظة مع المخاطر بمعزل عن الأخرى.
وما ينبغي أن يشغل القيادات الجنوبية ليس فقط ما إذا كان الحوثيون سيطلقون صواريخهم باتجاه السفن أو المنشآت الخليجية، وإنما أيضاً ما إذا كانت لديهم القدرة على منع استغلال الحرب لتوسيع نفوذهم، وحماية المدن والموانئ والمطارات من تداعياتها.
كما ينبغي عدم إغفال احتمالات الاختراق الأمني والحرب السيبرانية، ومحاولات استغلال الاضطراب الاقتصادي لإثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار الداخلي.
إن حرباً أمريكية إيرانية واسعة قد تعيد رسم كثير من معادلات المنطقة، وقد تفتح فرصاً وتخلق مخاطر في الوقت نفسه. لكن الفرص لا تتحول إلى مكاسب بمجرد وقوع الحرب، وإنما تحتاج إلى مؤسسات متماسكة ورؤية سياسية موحدة واستعداد مسبق.
فليس مطلوباً من الجنوب أن ينتظر الحرب حتى يقرر كيف يتعامل معها، ولا أن يدخلها لمجرد أنها اندلعت في الإقليم. المطلوب أن يستعد لها من الآن، حتى لا يجد نفسه يدفع ثمن مواجهة لم يخترها، ولم يستعد لتداعياتها.
فلنستعد.. وبإذن الله النصر لنا.