آخر تحديث :الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - 12:14 ص

كتابات واقلام


قضية شعب الجنوب بين استنزاف الحرب في الجبهات وتأجيل الرياض للحل السياسي العادل

الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - الساعة 12:14 ص

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


الخميس 29 أكتوبر 2026

لم يعد المشهد في اليمن والجنوب يحتمل مزيدًا من المراوغة السياسية، ولا مزيدًا من تدوير الأزمات تحت عناوين السلام والشراكة وحماية الاستقرار؛ فبعد سنوات من الحرب، تتكشّف مفارقة استراتيجية ثقيلة تعثّر معها الحسم مع الحوثيين، وغياب أفق سياسي عادل ينصف قضية شعب الجنوب، في وقت يدفع فيه شعب الجنوب أثمانًا متراكمة من دمائه واقتصاده وأمنه واستقراره ومستقبل دولته التي خرج الشعب من أجل استعادتها وشكّل المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه كيانًا سياسيًا موحدًا ومعبّرًا عنها، وفوّض الرئيس عيدروس الزبيدي رئيسًا له، ومنحه التجديد حتى استعادة الدولة الجنوبية الفيدرالية.

وهنا تبرز الرياض بوصفها طرفًا إقليميًا محتكمًا في مسارات الأزمة وإدارة الحرب في اليمن والجنوب، وتتحمّل، بحكم هذا الاستفراد، مسؤولية سياسية عن نتائج الخيارات التي تدعمها أو تفرضها في إدارة الصراع؛ فالمشكلة لم تعد محصورة في إخفاقات المواجهة العسكرية للقوى اليمنية المناوئة للحوثيين، بل امتدت إلى طبيعة الرؤية السياسية التي تحكم إدارة الحرب، وإلى السؤال الجوهري: لماذا يُطلب من الجنوب أن يواصل القتال في جبهات متعددة، بينما تظل قضيته الوطنية معلّقةً، ويُراد لمستقبله السياسي أن يبقى رهينة حسابات الرياض التي لا تعبّر بالضرورة عن إرادته؟
ومن هنا تحوّل الجنوب، بفعل تعقيدات الحرب وتداخل مصالح القوى اليمنية والإقليمية، إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع استنزافًا للإنسان والموارد والقدرات الوطنية؛ فبين أعباء المواجهة العسكرية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وتراجع فرص الاستقرار، يجد شعب الجنوب نفسه أمام معادلة قاسية، وهي أن يتحمّل أعباء الدفاع عن أرضه، وأن يواصل تقديم التضحيات في مواجهة التهديدات الحوثية، بينما تتأخر التسوية السياسية التي تنصف قضيته وتحدد مستقبل كيانه السياسي المتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقيادته المفوضة من الشعب في التعبير عن تطلعاته وفق مرجعيات سياسية، وهي: احترام التفويض الشعبي، والالتزام بمبادئ الميثاق الوطني الجنوبي، والتمسك بالبيان السياسي والإعلان الدستوري.

إن هذه المعادلة لا يمكن فصلها عن إخفاقات استراتيجية الحسم التي تتبعها الرياض ولم تنهِ خطر الحوثيين، ولا عن غياب استراتيجيتها السياسية المتكاملة التي يجب أن تعالج جذور الصراع وتحدد مآلاته؛ فالحرب التي لا تقترن برؤية واضحة لنهايتها تتحول، مع مرور الزمن، إلى دائرة استنزاف مفتوحة، تتكاثر فيها الخسائر، وتتراجع فيها الثقة، ويصبح الشعب الذي دفع أثمانًا كبيرة من التضحيات أكثر عرضةً لدفع ثمن صراعات لا يملك وحده قرار إنهائها.

والجنوب، في هذه المعادلة، ليس مجرد جغرافيا عسكرية، وشعبه ليس مجرد مقاولين يمكن استدعاؤهم كلما اشتدّت المواجهة، ولا مخزونًا بشريًا يُستنزف في معارك القوى المناوئة والمتواطئة مع الحوثيين، ولا ساحةً مفتوحةً لإدارة التوازنات الإقليمية، بل الجنوب وطن له تاريخه وهويته وذاكرته السياسية ومصالحه الوطنية، وشعب لا يرى في تضحياته تفويضًا مفتوحًا لأي طرف إقليمي كي يقرر عنه ويشكّل مستقبله أو يصادر حقه في استعادة دولته.
إن مواجهة الحوثيين ليست موضع الخلاف في ذاتها؛ فتهديداتهم العسكرية والسياسية تمسّ أمن المنطقة واستقرارها، وتفرض تحديات حقيقية على القوى المناهضة لها في اليمن والجنوب؛ لكن الإشكال يكمن في تحويل هذه المواجهة إلى التزام مفتوح على الجنوب وشعبه وقواته، من دون تحديد أفق سياسي عادل يوازي حجم تضحيات هذا الشعب التي قدمها؛ فحين يُطلب من قوات الجنوب أن تتحمّل أعباء القتال ومواجهتها بمزيد من التضحيات، بينما تبقى قضية شعبهم خارج التسوية الحاسمة، تنشأ فجوة بين الواجب العسكري والحق السياسي، وبين ما يقدّمه شعب الجنوب من تضحيات وما يحصل عليه من ضمانات لمستقبله، وهذه الفجوة لا تعالجها الوعود، ولا تسدّها الترتيبات العسكرية المؤقتة، بل تحتاج إلى اعتراف سياسي واضح بطبيعة قضية شعب الجنوب، وإلى مسار حل عادل لها يضع استحقاقاتها السياسية في صلب الحل، لا في هامشه؛ تلك الاستحقاقات التي تحترم التفويض الشعبي لقيادته ومبادئ ميثاق الشرف الجنوبي والبيان السياسي والإعلان الدستوري.

والأخطر أن استمرار هذه المعادلة قد يُضعف الثقة لدى شعب الجنوب، ويجعل كل حديث عن وحدة الصف في مواجهة الخطر الحوثي أو توحيد جبهاته ضده عرضةً للتشكيك في منظور الحل المؤجل من الرياض؛ فالوحدة المطلوبة من الرياض في مواجهة التهديدات لا تُبنى على إقصاء القيادة التي اختارها الشعب، ولا بإخضاع قضية شعبه العادلة لمعادلات القوة، وإنما بتحديد المصالح المشتركة، واحترام إرادة الشعب، وتقديم ضمانات أن تصبح تلك الإرادة هي صاحبة الحق في اختيار من يمثلها وتفويض من تريد.

إن الاستراتيجية التي تقيس نجاحها بعدد الجبهات المفتوحة، ولا تقيسه بمقدار ما تحققه من أمن واستقرار وتسوية عادلة، تظل استراتيجية مراعية لمصالح الإقليم على حساب مصالح الشعب؛ فالحسم العسكري، إن تعذّر أو تأخر، لا يجوز أن يتحول إلى مبرر لتأجيل الحل السياسي، كما لا يجوز أن تصبح التضحيات الجنوبية ثمنًا دائمًا لغياب القرار الاستراتيجي الواضح.
ولا ينظر شعب الجنوب إلى الصراع من زاوية المواجهة مع الحوثيين وحدها؛ فذاكرته السياسية وتجربته التاريخية تجعلان موقفه مرتبطًا، أيضًا، بما يراه من مشاريع تسعى إلى إعادة إخضاع الجنوب أو الانتقاص من هويته وقراره وثرواته وحقه في إدارة أرضه.

ومن هذا المنظور، تتداخل في الوعي السياسي لدى شعب الجنوب مخاوف من المشروع الحوثي ذي المرجعية السلالية والمذهبية، ومن تيارات الإسلام السياسي التي ارتبطت بها صراعات حادة حول الدولة والهوية والسلطة، ومن القوى العفاشية التي عاش شعب الجنوب تجربته معها في سياق الوحدة والحرب وما ترتب عليهما من مآسٍ سياسية وإنسانية واحتلال متكرر ظل وما زال مستمرًا.

ولا يعني ذلك أن هذه القوى اليمنية، وإن كانت غير متطابقة في عقائدها أو أهدافها أو أدواتها، ليست محتلة من منظور وطني وسياسي لجغرافيته ومغتصبة لهويته ومحتلة لأرضه، وناهبة لثروته؛ بل إن شعب الجنوب يراها كذلك.
ومن هنا، فإن اختزال قضية شعب الجنوب وقتال أبطالها مع الحوثيين في اصطفاف مذهبي أو طائفي يُعدّ قراءةً قاصرةً لطبيعتها؛ فالجنوب مجتمع متعدد في انتماءاته الفكرية والدينية والاجتماعية، وله تقاليد مدنية وقبلية وثقافية متجذرة، ولا يمكن اختزال هويته الوطنية في مذهب أو توظيفه في معركة أيديولوجية تتجاوز مصالحه السياسية والوطنية.
إن ما يطلبه شعب الجنوب، وفق هذا المنظور، ليس استبدال تبعية بأخرى، ولا الدخول في صراع مذهبي مفتوح، بل ضمان حقه في الأمن والكرامة وإدارة شؤونه، وحماية هويته الوطنية، وصون ثرواته، وتحديد مستقبله السياسي بإرادته الحرة وفق نضاله الذي يحترم إرادة شعبه وخياراته المستحقة في اختيار قيادته بنفسه لا بالوصاية عليه؛ لأن أي مقاربة إقليمية للصراع في اليمن والجنوب تقوم على توظيف الانقسامات المذهبية أو إعادة تشكيل قوى الجنوب وفق اصطفافات أيديولوجية ضيقة، تحمل مخاطر تتجاوز حدود المواجهة العسكرية؛ فالمجتمعات لا تُدار طويلًا بمنطق الاستقطاب، ولا يمكن بناء استقرار مستدام عبر فرض قوالب سياسية لا تنسجم مع بنيتها الاجتماعية أو مصالحها الوطنية.
وشعب الجنوب، بما يمتلكه من تنوع اجتماعي وثقافي وديني، لا يرى في تحويل قضيته إلى امتداد لصراعات مذهبية إقليمية ضمانةً لمستقبله؛ بل قد يرى في ذلك محاولةً لإزاحة جوهر قضيته الوطنية من مركز الاهتمام، وإعادة تعريف الصراع بما يخدم أولويات لا تتطابق مع أولوياته.

وإذا كانت الرياض تسعى إلى مواجهة التهديد الحوثي وتأمين محيطها الإقليمي، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر إضعاف قيادة شعب الجنوب المفوضة أو تفكيك بنيتها العسكرية والسياسية، ولا عبر فرض ترتيبات تتجاهل خصوصية قضية شعب الجنوب؛ فالأمن المستدام لا يتحقق بإدارة التناقضات إلى ما لا نهاية، بل بمعالجة أسبابها، وبناء شراكات تحترم مصالح شعب الجنوب وإرادته الحرة وقيادته المفوضة من الشعب.
ومن ثم، فإن معيار نجاح أي استراتيجية إقليمية ليس قدرتها على إخضاع شعب الجنوب لترتيبات مؤقتة، بل قدرتها على إنتاج معادلة سياسية وأمنية مستقرة، لا يشعر فيها الجنوب بأنه مطالب بالتضحية الدائمة من دون ضمانات، ولا يشعر فيها اليمن بالشمال بأن مستقبل شعبه محكوم باستمرار الحرب أو احتكار السلطة.

في قلب هذه الأزمة تقع مسألة التمثيل السياسي في الجنوب، وتقع على عاتق المجلس الانتقالي الجنوبي العربي مسؤولية التثميل بوصفه حاملًا سياسيًا لقضية الشعب؛ لأنه يستند إلى تفويض شعبي يُعد أساسًا لشرعيته التمثيلية، وتصبح قيادته المفوضة هي الحقيقة التي يجب أن تحظى بالحضور والدعم الإقليمي، ولا يمكن أن تبرر الرياض أن يخضع الجنوب إلى مفاوضات بين قوى هي من تقررها نيابة عن الشعب وتصبح هي المتحكمة بمستقبل الجنوب.
ومن هنا، لا يجب على الرياض أن تشترط على الجنوب أن يكون ممثلًا بمكونات مختلفة يتحول ذلك إلى ذريعة لإلغاء إرادة الحضور الشعبي؛ فالتمثيل العادل يقتضي الاعتراف بالأوزان السياسية والاجتماعية ذات التفويض والحضور الشعبي، وإتاحة المشاركة، والاحتكام إلى إرادة شعب الجنوب وآليات تعبيره السلمي والنضالي، بدلًا من صناعة كيانات بديلة لا تستمد شرعيتها من قاعدة اجتماعية وشعبية واضحة.

وتتزايد حساسية المسألة عندما يُنظر إلى إنشاء مجالس تنسيقية أو أطر سياسية جديدة بوصفها محاولةً لإعادة توزيع التمثيل الجنوبي؛ فالتمسك بهذه الأطر قد يكون مفيدًا إذا نشأت من توافق حقيقي، واستهدفت توحيد الصف وتوسيع المشاركة، لكنها تصبح موضع اعتراض مشروع إذا استُخدمت لتجاوز القوى القائمة أو الالتفاف على مطالب شعبية لا تجد طريقها إلى طاولة التفاوض.
ولا يكمن جوهر الأزمة في وجود مجالس أو مكونات جديدة بحد ذاته، بل في المعايير التي تحكم تشكيلها، ومدى استقلال قرارها، وحقيقة قاعدتها الشعبية، وحدود ارتباطها بمصالح الأطراف الإقليمية؛ فالمكوّن السياسي لا يكتسب شرعيته من الاسم أو الرعاية أو الظهور الإعلامي، بل من قدرته على التعبير عن الشعب، ومن وضوح برنامجه، ومن احترامه للإرادة العامة للشعب.
إن قضية شعب الجنوب أكبر من أي دولة تحاول أن تحتكر إرادة الشعب، وفي الوقت نفسه، ليست فراغًا سياسيًا يحق لأي طرف خارجي أن يملأه وفق حساباته، والحل لا يكون بإلغاء المجلس الانتقالي الجنوبي، بل باحترامه؛ لأنه مفوض من إرادة شعبية صارت أساسًا لتحديد الضمانة وصناعة المستقبل.

والمعضلة الأساسية في السياسة الإقليمية تجاه اليمن والجنوب تظهر عندما تتقدم ترتيبات إدارة الصراع على حساب معالجة جذوره؛ فالحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية مع الحوثيين، كما أن التسوية ليست مجرد اتفاق بين القوى التي تمتلك السلاح أو تحظى برعاية الخارج؛ إنها عملية سياسية ينبغي أن تتناول طبيعة الدولة، ومصادر الشرعية، وحقوق الشعب وقضاياه العادلة، ومستقبله السياسي.

ومن هنا، فإن غياب استراتيجية واضحة للحل السياسي لقضية شعب الجنوب يفتح الباب أمام استمرار الاستنزاف، ويُضعف فرص بناء الثقة، ويجعل الترتيبات الأمنية عرضةً للتقلبات كلما تغيرت المصالح الإقليمية أو موازين القوى.

وإذا كانت الرياض تريد استقرارًا حقيقيًا، فإن المطلوب منها ليس إبقاء قضية شعب الجنوب معلّقةً بين وعود الحوار وضغوط الواقع، ولا ربط مستقبلها إلى أجل غير معلوم بمآلات التسوية مع الحوثيين، فإن المطلوب هو الاعتراف بأن لقضية شعب الجنوب مسارًا سياسيًا خاصًا، وأن معالجتها لا يمكن اختزالها في اتفاق أمني أو تسوية يمنية عامة لا تحدد بوضوح حقوق شعب الجنوب وضماناته، وهي: احترام خيارات الشعب وإرادته الحرة. واستعادة جذور قضية شعب الجنوب تقتضي الاعتراف بحقيقة تاريخية أساسية، وهي أن الجنوب كان دولةً ذات سيادة قبل قيام الوحدة اليمنية عام 1990، وله مؤسساته وحدوده وهويته السياسية وتجربته في إدارة شؤونه، وقد دخل الوحدة في إطار سياسي محدد، ثم أدت حرب عام 1994 وما أعقبها من تطورات إلى تعميق الانقسام وتحقيق مفهوم الاحتلال، وصولًا إلى تصاعد مطالب شعب الجنوب باستعادة دولته كما عبّر عنها المجلس الانتقالي وقيادته المفوضة، منطلقة من تفويض شعبي ومبادئ ميثاق الشرف الجنوبي والبيان السياسي والإعلان الدستوري.
وتكفي هذه الخلفية التاريخية وحدها لحسم كل تفاصيل الحل المستقبلي، لكنها تجعل من غير الدقيق التعامل مع قضية شعب الجنوب بوصفها مجرد خلاف إداري أو نزاع عابر على السلطة؛ بل هي قضية شعب ذات أبعاد تاريخية ووطنية وسياسية، تتصل بمفهوم الشراكة، وبمصادر الشرعية، وبحق الشعب في تقرير شكل الحكم الذي يريده.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تسوية تتجاهل هذه الجذور قد تسير في ترتيب بعض المصالح المؤقتة، لكنها ستظل معرضةً لإعادة إنتاج الأزمة؛ لأن الاستقرار لا يُبنى على محو الذاكرة السياسية، ولا على فرض صيغ دستورية أو أمنية لا تستند إلى قبول الشعب.
إن احترام خصوصية شعب الجنوب لا يعني إغلاق أبواب الحوار مع الشمال، كما أن الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله لا يقتضي الانتقاص من حقوق شعب اليمن في الشمال أو مصادرة خياراته، بل إن الحل العادل ينبغي أن يتيح لكل شعب ومجتمع التعبير عن إرادته، وأن ينظم العلاقة بين الأطراف على أساس واضح من الحقوق والضمانات والمصالح المتبادلة.
وإن استمرار الحرب من دون استراتيجية حسم واضحة، بالتوازي مع غياب الحل السياسي العادل لقضية شعب الجنوب، يضع الرياض أمام معادلة لا يمكن تجاوزها بالمناورات أو تبديل الأطر السياسية أو إعادة توزيع مواقع النفوذ؛ فكلما طال أمد الحرب، ازدادت الكلفة الإنسانية والاقتصادية، وكلما تأخر الحل السياسي، تراجعت فرص بناء الثقة بين الأطراف الأكثر دفاعًا وفاعلية مع الرياض على الأرض.
وليس من العدل أن يُطلب من الجنوب أن يكون خط الدفاع المتقدم في مواجهة الحوثيين، ثم يُعامل بوصفه ملفًا قابلًا للتأجيل عندما يتعلق الأمر بمستقبله السياسي، وليس من الحكمة أن تُختزل قضية شعب الجنوب في مجالس تنسيقية أو تفاهمات مؤقتة، بينما تتعلق مطالب شعبها بمسألة الدولة والهوية والسيادة والقرار الوطني وفق خيارات الشعب واحترام قيادته المفوضة وميثاق الشرف بين مكوناته والبيان السياسي والإعلان الدستوري.

إن المطلوب من الرياض مراجعة المعادلة التي تحكم إدارتها للأزمة، والانتقال بها من منطق إدارة القوى إلى منطق الشراكة معها، ومن استنزاف الجبهات إلى بناء تسوية تعالج أسباب الصراع، ومن التعامل مع الجنوب بوصفه مساحة نفوذ إلى التعامل معه بوصفه صاحب قضية وإرادة ومصالح وطنية لا يجوز تجاوزها؛ فالقوة التي لا تنتج حلًا سياسيًا تظل محكومةً بتكاليف استمرارها، والشرعية التي لا تتحول إلى قدرة على إنهاء الحرب وبناء مؤسسات فاعلة تظل مطالبةً بمراجعة أدواتها، والتسوية التي تؤجل استحقاقات شعب لا تصنع سلامًا مستدامًا، بل ترحّل أسباب الأزمة إلى المستقبل.

إن الجنوب لا يطلب أن يُعفى من مسؤوليات الأمن والاستقرار، بل يرفض أن تتحول مسؤولياته إلى التزام مفتوح بلا مقابل سياسي عادل، ولا يرفض الحوار، بل يرفض أن يكون الحوار غطاءً لإقصائه، ولا يعادي مصالح الجوار، بل يرفض أن تُبنى تلك المصالح على حساب إرادته الوطنية. وهنا تتحدد حقيقة الاختبار أمام الرياض: إما أن تتجه نحو استراتيجية متكاملة تربط الأمن بالحل السياسي، وتعترف بخصوصية قضية شعب الجنوب، وتضمن تمثيلًا حقيقيًا يحترم إرادة شعبها وقيادتها المفوضة؛ وإما أن تستمر في إدارة الأزمة بأدوات مؤقتة، فتبقى الحرب مفتوحة، ويبقى الجنوب مثقلًا بأعبائها، وتظل التسوية بعيدة عن معالجة جذور الصراع؛ فقضية شعب الجنوب ليست ورقة تفاوضية تُستدعى عند الحاجة وتُهمّش عند توزيع المكاسب؛ إنها قضية شعب له ذاكرة وطنية وتاريخ سياسي وحق في تحديد مستقبله، وأي سلام لا يضع هذه الحقيقة في صميم معادلته لن يكون سوى هدنة مؤقتة فوق أزمة لم تُحل، واستقرارًا هشًا يخفي تحت سطحه أسباب انفجار جديد؛ فالجنوب الذي دفع أثمان الحرب من دماء أبنائه وموارده وأمنه لن يقبل أن تكون نهاية تضحياته استمرارًا لتعليق قضيته؛ لأن السلام الذي لا ينصف قضية شعبه لا ينهي الصراع، بل يمنحه أسبابًا جديدة للاستمرار.