آخر تحديث :الإثنين - 02 نوفمبر 2026 - 09:22 م

اخبار وتقارير


الأحكام العرفية المشددة في طور الباحة.. لماذا تحرّك الميدان وغاب القرار الرئاسي؟

الإثنين - 02 نوفمبر 2026 - 08:27 م بتوقيت عدن

الأحكام العرفية المشددة في طور الباحة.. لماذا تحرّك الميدان وغاب القرار الرئاسي؟

صالح الفضلي

في الوقت الذي تتواصل فيه التحذيرات من اختراقات أمنية وخلايا نائمة تستهدف العسكريين والأمنيين، وتُسجَّل فيه حوادث دامية في أكثر من مدينة يمنية، يأتي من طور الباحة في محافظة لحج قرار حاسم وشديد اللهجة، لا من مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، ولا من وزارة الدفاع أو الداخلية، بل من القيادات العسكرية في الميدان والمقاومة والسلطة المحلية في المديرية!


فقد أعلنت قيادة الألوية والمقاومة في طور الباحة، بالتنسيق مع مدير عام المديرية ومدير أمنها، إهدار دم كل من يتورط في التجسس لصالح الحوثيين أو مناصرتهم أو التواصل معهم لتسهيل استهداف المديرية، وذلك في أعقاب ما وصفه بيانها بمحاولات اختراق حوثية وقصف لقرى المنطقة بمختلف أنواع الأسلحة. وختمت الجهات الموقعة بيانها بعبارة: (وقد أُعذر من أنذر)، وذلك وفقا بما نشرته اليوم صحيفة عدن الغد.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس لماذا تشعر قيادة طور الباحة بالخطر، فالمناطق القريبة من خطوط المواجهة تعرف جيدًا معنى الاختراق الأمني وكلفة التهاون مع من يمدّ الخصم بالمعلومات. السؤال الأهم هو: لماذا وصلت القيادات الميدانية في طور الباحة إلى هذا القناعة بضرورة اتخاذ هذا الإجراء الوقائي والتحصيني، بينما لم يبادر العليمي إلى اتخاذ إجراءات استثنائية مماثلة على مستوى الدولة، في مأرب وتعز وعدن وعتق، رغم ما شهدته تلك المدن، بحسب الوقائع المتداولة، من سقوط ضحايا في هجمات وعمليات استهدفت عسكريين وأمنيين؟


وثمة أسباب محتملة تفسر هذا التحرك. أولها أن القيادات الموجودة على خطوط التماس تتعامل مع التهديد الأمني بوصفه خطرًا مباشرًا، ففي المناطق التي تتداخل فيها الجبهات مع التجمعات السكانية والطرق الحيوية، يصبح الاشتباه في وجود شبكات تجسس أو تقديم تسهيلات عسكرية مصدر قلق بالغ. وإذا كانت قيادة طور الباحة تمتلك معلومات ميدانية عن محاولات اختراق أو رصد للأهداف، فمن الطبيعي أن تسعى إلى رفع مستوى الحماية والردع، شريطة أن تستند الإجراءات إلى أدلة وإلى صلاحيات قانونية واضحة.


وثاني هذه الأسباب أن القيادات الميدانية قد ترى أن الانتظار حتى تتحرك المؤسسات المركزية لم يعد خيارًا مقبولًا. فحين تتكرر التهديدات، أو تتعرض القرى للقصف، أو يشعر الجنود بأن تحركاتهم مكشوفة، تتزايد الضغوط لاتخاذ قرارات سريعة، حتى لو جاءت بلهجة أشد مما اعتادت عليه البيانات الرسمية.


وهنا تبرز مفارقة الدولة اليمنية: قيادات ميدانية تصدر تحذيرات قصوى باسم حماية مناطقها، في حين يظل السؤال قائمًا عن مدى قدرة مؤسسات الدولة على صياغة سياسة أمنية موحدة، وتطبيقها على مختلف الجبهات والمدن، بدل ترك كل منطقة تواجه مخاطرها وفق تقديرات قيادتها المحلية.

نعم لماذا طور الباحة، ولماذا ليس مأرب وتعز وعدن وعتق؟ إن اختلاف الظروف لا يبرر غياب المعايير الوطنية الموحدة في مواجهة التجسس والتخريب واستهداف المعسكرات. ففي مأرب وتعز، حيث تدور مواجهات عسكرية مع الحوثيين، تبدو حماية المعسكرات ومراكز القيادة وطرق الإمداد مسألة لا تقل أهمية عن حماية خطوط القتال نفسها. وفي عدن وعتق، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع تعقيدات المشهد السياسي وتعدد التشكيلات المسلحة، تبرز الحاجة إلى أجهزة استخبارات وأمن فعالة، وتنسيق مؤسسي يمنع استغلال الثغرات. كما حدث في عتق وفي داخل تعز والتربة وربما في داخل معاشيق.


وإذا كانت هناك أدلة على نشاط خلايا نائمة أو شبكات تتعاون مع الحوثيين في أي من هذه المدن، فإن المطلوب هو التحقيق الجاد، وكشف الشبكات، ومحاسبة المتورطين أمام القضاء، وليس الاكتفاء ببيانات الإدانة أو انتظار سقوط مزيد من الضحايا حتى يصبح التحرك ضرورة لا مفر منها.

أما إذا كان العليمي يرى أن إعلان إجراءات استثنائية عامة ليس مناسبًا، فمن حق الرأي العام أن يعرف ما البديل الذي تعتمده القيادة السياسية لمنع الاختراقات وحماية الجنود والمدنيين. فالدولة لا تُقاس بحدة بياناتها، بل بقدرتها على تحويل المعلومات الاستخباراتية إلى إجراءات وقائية، ومحاسبة المقصرين، ومنع تكرار الهجمات.


هل أصبح القرار الأمني رهينًا بالميدان وخطوط التماس؟

أين العليمي من كل ذلك؟ إن السؤال الموجه إلى رشاد العليمي ليس لماذا لم يعلن إهدار دم المتعاونين مع الحوثيين بالطريقة نفسها التي أعلنتها قيادة طور الباحة، بل لماذا لا نرى سياسة أمنية وطنية واضحة وفعالة، تتناسب مع حجم المخاطر التي تواجه القوات والمواطنين في مختلف المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا؟

لماذا لا تكون هناك مراجعة جدية لاختراقات المعسكرات، وتقييم لأوجه القصور الاستخباراتي، وتبادل منظم للمعلومات بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، وإعلان نتائج التحقيقات في القضايا التي تسمح طبيعتها بذلك؟ ولماذا لا تُحدد المسؤوليات عن الإخفاقات التي تتسبب في خسائر بشرية، بدل أن تبقى كل واقعة حبيسة بيان عسكري أو خبر عاجل؟


إن أرواح الجنود في مأرب وتعز وعدن وعتق ليست أقل قيمة من أرواح الجنود والمدنيين في طور الباحة. كما أن أمن هذه المناطق ليس ملفًا محليًا منفصلًا عن بقية الجبهات، بل جزء من مسؤولية الدولة كلها. هذا إذا كانت هناك دولة حقا.