آخر تحديث :الإثنين - 02 نوفمبر 2026 - 09:25 م

ثقافة - أدب - فن


متى يحتفي الحضارم بأعلامهم المعاصرين؟

الإثنين - 02 نوفمبر 2026 - 08:29 م بتوقيت عدن

متى يحتفي الحضارم بأعلامهم المعاصرين؟

مسعود عمشوش

تزخر المكتبة الحضرمية بكتب وموسوعات عديدة اهتمت بتراجم أعلام حضرموت القدامى، وقد أسهمت تلك المؤلفات في حفظ سير العلماء والفقهاء والأئمة والمصلحين والشخصيات التي تركت بصمات واضحة في تاريخ هذه المنطقة. ومن أبرزها سلسلة (أعلام حضرموت) للعلامة أبي بكر العدني بن علي المشهور، وكتاب (لوامع النور: نخبة من أعلام حضرموت)، و(معجم قبائل وبلدان وأعلام حضرموت) لعبدالرحيم محمد بن مغيث، إلى جانب مؤلفات أخرى تناولت أعلاماً في مجالات وتخصصات محددة.


ولا شك أن تخليد أولئك الرواد الذين رحلوا عنا منذ عقود وقرون عمل ثقافي وعلمي مهم، بل هو واجب تجاه تاريخنا وذاكرتنا الجماعية. لكن ألا ينبغي أن نلتفت بالقدر نفسه إلى أعلام حضرموت في العصر الحديث، وإلى أولئك الذين عاشوا في القرن العشرين، أو لا يزالون بيننا، وقدموا ويقدمون إسهامات مهمة في مجالات العلم والأدب والثقافة والتعليم والاقتصاد والفن والعمل الاجتماعي؟


إن المتأمل فيما هو متاح من كتب التراجم الحضرمية يلاحظ أن الاهتمام الأكبر انصرف إلى الشخصيات التاريخية القديمة، بينما لا تزال الكتابات التي توثق سير الشخصيات الحضرمية الحديثة والمعاصرة محدودة، ولا تتناسب مع حجم ما قدمه هؤلاء من عطاء وإسهامات في حياة مجتمعهم، سواء داخل حضرموت أم في بلدان المهجر.

وليس المقصود هنا التقليل من أهمية التراث الذي تركه السابقون، وإنما توسيع دائرة الاهتمام لتشمل أجيالاً أخرى أسهمت في صناعة تاريخ حضرموت الحديث. فلدينا شعراء وأدباء ومؤرخون وأساتذة جامعات ومربون وصحفيون وفنانون ورجال أعمال ومصلحون اجتماعيون، فضلاً عن شخصيات حضرمية حققت نجاحات كبيرة في بلدان الاغتراب، وأسهمت في تنمية مجتمعاتها الجديدة، وظلت في الوقت نفسه مرتبطة بأرض الآباء والأجداد.

ومن المؤسف أن بعض هذه الشخصيات قد ترحل دون أن نجد عنها سوى معلومات متناثرة في الصحف أو شهادات متفرقة لدى معاصريها، وربما تضيع تفاصيل مهمة من تجاربها بسبب عدم المبادرة إلى تسجيلها وتوثيقها في الوقت المناسب.


ومن هنا تأتي أهمية تشجيع الشباب والباحثين على تعلم فن كتابة التراجم والسير، وتدريبهم على البحث عن الشخصيات المتميزة في بيئاتهم المحلية ومحيطهم الاجتماعي، وإجراء المقابلات معها، وجمع وثائقها وصورها ومراسلاتها وشهادات معاصريها، ثم تحويل تلك المواد إلى دراسات وسير موثقة.

ولا ينبغي أن تقتصر هذه المهمة على المؤرخين والأكاديميين المتخصصين؛ إذ يمكن للطلاب الجامعيين والشباب المهتمين بالثقافة والتاريخ أن يسهموا فيها، إذا توفرت لهم المبادئ الأساسية للبحث والتوثيق وكتابة السيرة. كما يمكن للجامعات والمؤسسات الثقافية والمراكز البحثية تنظيم ورش تدريبية ومسابقات لتشجيعهم على إعداد تراجم لشخصيات مؤثرة في مدنهم وقراهم.


ومن المهم أيضاً أن تتسع دائرة التوثيق لتشمل مختلف مجالات العطاء، وألا تظل محصورة في العلماء والفقهاء والشخصيات الدينية، على الرغم من مكانتهم الكبيرة. فحضرموت أنجبت أدباء وشعراء وموسيقيين ورواد تعليم وصحفيين وملاحين وتجاراً ومصلحين اجتماعيين وشخصيات سياسية واقتصادية، يستحق كل منهم أن يُدرس إسهامه ويُوثق أثره.

كما ينبغي ألا تنحصر موسوعة الأعلام الحضارم في الذين عاشوا داخل حدود حضرموت، بل تمتد لتشمل أبناءها وأحفادهم في السعودية ودول الخليج وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا وغيرها من بلدان المهجر، حيث أسهم كثير منهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لتلك المجتمعات.

وقد دفعني الاهتمام بهذا الموضوع إلى إعداد ونشر كتاب بعنوان (أعلام من حضرموت)، أدرجت فيه عشر دراسات عن شخصيات حضرمية تنتمي إلى مجالات وتجارب مختلفة، منها شخصيات ارتبطت بالهجرة والتنمية، وأخرى أسهمت في النهضة الفكرية والأدبية، وشخصيات كان لها حضور في التعليم والنضال والعمل الثقافي. وقد حاولت من خلال هذه الدراسات تقديم نماذج من العطاء الحضرمي، وإبراز بعض التجارب التي تستحق أن يتوقف عندها الباحثون والقراء.

وأرى أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من الجهود الفردية المتفرقة إلى مشروع ثقافي وتوثيقي أوسع، يمكن أن يبدأ بإعداد قاعدة بيانات للأعلام الحضارم، وتصنيفهم بحسب مجالات إسهامهم وأماكن نشاطهم وفتراتهم الزمنية، ثم تطوير هذا العمل تدريجياً ليصبح موسوعة ورقية ورقمية مفتوحة أمام الباحثين والمهتمين.

إن الاحتفاء بالأعلام لا ينبغي أن يكون مناسبة لتكريم الراحلين وحدهم، بل يجب أن يشمل أيضاً الذين ما زالوا بيننا، ممن قدموا ويقدمون لوطنهم ومجتمعهم. فمن حق هؤلاء أن تُعرف تجاربهم، ومن حق الأجيال الجديدة أن تطلع عليها وتستفيد منها.

فلماذا ننتظر رحيل أعلامنا حتى نكتب عنهم؟ ولماذا لا نوثق تجاربهم ونحتفي بعطائهم وهم بيننا؟

إن حفظ ذاكرة حضرموت مسؤولية جماعية، ولا ينبغي أن نتركها للصدفة أو للسنوات التي تمحو التفاصيل وتباعد بيننا وبين الشهود. وما لم نبادر اليوم إلى كتابة سير أعلام عصرنا، فقد نترك للأجيال القادمة مهمة البحث عن معلومات ربما لن تجدها.