آخر تحديث :الإثنين - 05 يناير 2026 - 05:18 م

كتابات واقلام


بين انسحاب "القوة" ووعد "العودة".. ما أُخذ بالحديد والنار لن يُسترد إلا بهما

الأحد - 04 يناير 2026 - الساعة 11:40 م

ناصر علي العولقي
بقلم: ناصر علي العولقي - ارشيف الكاتب


ناصر علي العولقي - ناشط إعلامي

لطالما كانت الجغرافيا والسياسة في الجنوب العربي مسرحاً لصراعات الإرادات الكبرى، وما شهدناه مؤخراً من انسحاب للقوات الجنوبية في حضرموت والمهرة تحت وطأة القوة المفرطة واستخدام سلاح الجو المكثف، ليس مجرد حدث عسكري عابر أو انكسار عارض، بل هو "انسحاب المكره" الذي لم ينحنِ لخصمه اقتناعاً، بل انحنى مؤقتاً لعاصفة الصواريخ والغارات التي لم تترك لقواعد الاشتباك المتكافئة مكاناً.

إن ما جرى في صحراء الوادي وجبال المهرة يثبت للعالم أجمع أن قواتنا الجنوبية لم تنسحب بسبب خلل في العقيدة القتالية أو انعدام للحاضنة الشعبية، بل انسحبت مجبرةً تحت ضغط آلة عسكرية تفوقها في الجو، وهي مواجهة غير متكافئة بالمرة بين صدور عارية ومدرعات أرضية من جهة، وبين طيران حربي يصب حممه من السماء من جهة أخرى.

إن القاعدة التاريخية الخالدة تخبرنا بأن منطق القوة الذي فُرض اليوم بغطاء الغارات والقصف ليس قدراً أبدياً، بل هو استحقاق مؤجل في ذمة الزمن، فالحقيقة التي لم ولن تتغير في الوعي الجنوبي هي أن "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة"، وهذه ليست مجرد شعارات حماسية، بل هي معادلة وجودية أثبتت أحداث حضرموت والمهرة أنها السبيل الوحيد أمام إصرار إقليمي على كسر طموح شعبنا.

إن غياب التكافؤ الذي أزاح الجندي الجنوبي من معسكره اليوم هو ذاته الذي سيكون وقوداً لشحذ همته غداً، فالانسحاب التكتيكي تحت وطأة النيران لا يعني نهاية المعركة، بل يعني إعادة تموضع الإرادة وصيانة الحقوق التي لا يسقطها تقادم الزمن ولا كثافة القصف.

واهمٌ من يعتقد أن مشهد الطائرات وهي تحسم المعارك في الوديان المنكشفة قد طوى القضية الجنوبية، فالقضايا الوطنية الكبرى لا تتبخر بدخان الغارات، ونحن اليوم نرقب المشهد بعين الوعي، ندرك حجم الخذلان وموازين القوى المختلة، لكننا نؤمن يقيناً أن منطق فرض الإرادة بالحديد هو منطق هش سينهار أمام أول اختبار حقيقي للإرادة الشعبية على الأرض.

إن الجنوب الذي جرّب الحروب والمؤامرات منذ صيف 94 يعلم جيداً أن الأرض تقاتل مع أصحابها، وأن القوة التي استُخدمت اليوم لإخلاء مواقعنا ستكون هي المحرك لجولة قادمة لن تكون فيها السماء وحدها هي الحكم، بل ستكون للأرض والسيادة والكرامة الكلمة الفصل.. فالحق الذي وراءه مُطالب وقوة لا يموت أبداً، وسيعود يوماً ما سُلب بالجور.

ناصر علي العولقي
4 يناير 2026