آخر تحديث :الأربعاء - 07 يناير 2026 - 05:58 م

كتابات واقلام


ماذا أبقت المملكة من أواصر محبة بينها وبين أبناء الجنوب؟

الإثنين - 05 يناير 2026 - الساعة 09:27 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


علي محمد سيقلي
لم تكن المشكلة يومًا في اختلاف المصالح، فذلك من طبيعة السياسة، بل في طريقة إدارة تلك المصالح حين تتحول من شراكة إلى وصاية، ومن تحالف إلى استعلاء، ومن احترام إلى غرور أعمى لا يرى إلا نفسه.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بمرارة:
ماذا أبقت المملكة العربية السعودية من أواصر محبة بينها وبين أبناء الجنوب؟

أولئك الذين وقفوا معها بصدق، لا لمصلحة عابرة، ولا لصفقة مؤقتة، بل من منطلق شراكة مصير وعدو مشترك، وأخلصوا حتى اللحظة الأخيرة، بينما كانت البوصلة في الرياض تتقلب، والوعود تُبدَّل، والتحالفات تُعاد صياغتها على حساب من دفعوا الثمن دمًا وأرضًا.
لقد تحوّل الجنوب – في نظر صانع القرار السعودي – من حليف ميداني صلب إلى عبء سياسي يجب تطويعه، أو كسره، أو معاقبته إن لزم الأمر.
وهنا نستحضر المثل العربي القديم: الجنوب وجزاء سنمار.
حين يُكافأ الإخلاص بالخيانة، والتضحية بالتجاهل، والصدق بالعقاب.
أي غرور هذا الذي يجعل المملكة تتعامل مع الجنوب بعقلية المنتصر على خصومه، لا بعقلية الشريك مع حلفائه؟
وأي قصر نظر سياسي ذاك الذي يدفعها لفتح جبهات عداء مجانية مع شعب لم يطلب منها يومًا أكثر من احترام إرادته ودمائه؟
لماذا كل هذا العداء؟ ولماذا كل هذا الانتقام؟
هل لأن الجنوب رفض أن يكون ورقة؟
أم لأنه لم يقبل أن يُدار بالريموت كنترول من خلف الحدود؟
أم لأن صوته العالي كشف عورات السياسة الرمادية التي تحاول أن تمسك العصا من المنتصف، حتى لو انكسرت على رؤوس الحلفاء؟
المملكة التي تتحدث صباح مساء عن أمنها القومي، نسيت – أو تناست – أن أمنها الحقيقي لم يكن يومًا في الطائرات ولا في البيانات، بل في الشعوب التي وقفت معها بصدق. وحين تخسر الشعوب، لا تنفعك الجغرافيا ولا النفط ولا التحالفات المؤقتة.
الجنوب لم يكن عدوًا للمملكة، ولن يكون.
لكنه – في الوقت ذاته – لن يقبل أن يُعامل كخصم، أو يُستباح سياسيًا، أو يُبتز أمنيًا.

فالسياسة التي لا تحفظ كرامة الحليف، تتحول سريعًا إلى مشروع فشل، مهما بدت قوية في ظاهرها.
إن أخطر ما تواجهه السعودية اليوم ليس خصومها المعلنين، بل غرورها السياسي، حين تظن أن بإمكانها إعادة تشكيل الواقع الجنوبي بالقوة، أو بالتجاهل، أو بسياسة كسر العظم.
فالتاريخ لا يرحم، والجنوب – مهما طال صبره – لا ينسى.
هذه ليست رسالة تهديد، بل شهادة للتاريخ:
من أراد الجنوب شريكًا، وجده وفيًا.
ومن اختار أن يعامله بعداء، فليتحمل نتائج غروره.
والسؤال الأخير، الذي سيبقى معلقًا في الهواء:
هل تريد المملكة جنوبًا حليفًا، أم جنوبًا جريحًا لا يثق بأحد؟
الجواب، حتى اللحظة، للأسف، تكتبه الرياض بنفسها.