آخر تحديث :الجمعة - 09 يناير 2026 - 01:15 ص

كتابات واقلام


تصحيح مسار القضية الجنوبية بين الأزمة والمعركة ومؤتمر الرياض 2026

الأربعاء - 07 يناير 2026 - الساعة 07:52 م

نجيب صديق
بقلم: نجيب صديق - ارشيف الكاتب


في الوقت الذي رحّبت فيه أطياف ومكوّنات المجتمع المدني والسياسي في الجنوب بانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض، يبرز مشهد لافت يتمثّل في أن غالبية الأصوات المرحّبة تنتمي إلى ما يُعرف بسياسيي الخارج، ومع ذلك لا يمكن إنكار حقهم في المشاركة بوصفهم جزءًا من المشهد السياسي، مهما اختلفت التقييمات حول أدوارهم وتأثيرهم.

جاءت الدعوة إلى المؤتمر الجنوبي الشامل في لحظة سياسية وأمنية حساسة، أعقبت تعرّض المجلس الانتقالي لانتكاسة عسكرية مؤقتة، شكّلت في جوهرها فرصة لإعادة ترتيب الأجندة السياسية والعسكرية، وإعادة قراءة المشهد الشعبي والسياسي من زاوية أكثر واقعية، بما يراعي حاضنة الأرض والإنسان، ويستعيد أدوات الفعل السياسي بعقلانية أعلى. هذا الانكسار، على محدوديته، كشف عن سوء تقدير في التعامل مع ملف حضرموت والمهرة، وهو خطأ استراتيجي لا يمكن إنكاره، لكنه لا ينفي حقيقة أن المجلس الانتقالي ما يزال الرقم الأصعب والفاعل الأبرز في معادلة القضية الجنوبية.

الدخول في مواجهة عسكرية غير متكافئة مع السعودية، بما تملكه من قدرات عسكرية هائلة وتفوّق جوي، وبمشاركة قوى شمالية وجدت في الصراع فرصة لتصفية حساباتها، كان خيارًا بالغ الكلفة. وكان من الحكمة، في تلك اللحظة، أن يُتخذ قرار الانسحاب المبكر من المواجهة، خصوصًا بعد التحذيرات الصريحة التي صدرت عن الخارجية السعودية، والتي أشارت إلى عواقب غير محمودة وأتاحت نافذة ضيقة لمراجعة الموقف.

كما كان من الممكن، لو أُحسن استثمار اللحظة السياسية، أن يتزامن الانسحاب من حضرموت مع خروج الإمارات من المحافظة وبقية المناطق الجنوبية، وهو ما كان سيقلب الطاولة سياسيًا، ويضع الشرعية ورئيس مجلس القيادة الرئاسي في مواجهة مباشرة مع الرياض، ويفوّت فرصة توظيف الأزمة ضد الجنوب. إعلان تعليق الشراكة في الحكومة ومجلس القيادة، في ذلك التوقيت، كان سيشكّل ورقة ضغط سياسية قوية، ويعيد تعريف العلاقة مع التحالف من موقع الندّية لا التبعية.

إدارة الأزمات لا تقوم على ردود الفعل المتسرّعة، بل على الحنكة السياسية، والقدرة على توظيف الوقائع لصالح المشروع الوطني. الحفاظ على السيطرة الميدانية، مع استخدام أدوات السياسة بذكاء، كان سيمنح القضية الجنوبية موقعًا أقوى في أي مسار تفاوضي لاحق.

اليوم، ومع الدعوة التي جاءت عبر رئيس مجلس القيادة الرئاسي لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فقد أُعيد إحياء دور سياسي كان آيلًا إلى التراجع، ليقود مسارًا يُراد له أن يرسم ملامح الحل في الجنوب تحت مظلة إقليمية واضحة. الخشية الحقيقية أن يدخل المجلس الانتقالي هذا المؤتمر من موقع الطرف المأزوم، لا من موقع الشريك القادر على فرض رؤيته، ما لم يستعد زمام المبادرة السياسية والشعبية.

المؤتمر، حتى وإن ضم شخصيات جنوبية ذات حضور وتأثير، لن يحقق غاياته ما لم يكن المشاركون فيه ممثلين حقيقيين للإرادة الجنوبية، مدافعين عن الهوية والسيادة، لا أدوات لإعادة تدوير أوهام سياسية تحت عباءة شرعية فاقدة للشرعية الشعبية. القضية الجنوبية اليوم تقف على مفترق طرق، واستعادتها لدورها ومكانتها باتت مرهونة بقدرة الفاعلين الجنوبيين على تجاوز الحسابات الضيقة، والانتصار للمصلحة الوطنية العليا.

إن ما تمر به القضية الجنوبية يفرض نضالًا سياسيًا جديدًا، يتسم بالعقل والحكمة، ويبتعد عن النزق والتقديس الأعمى للأفراد. فالتجربة أثبتت أن الأشخاص زائلون، بينما الوطن باقٍ، وأن القضايا العادلة لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بعقل سياسي ناضج، وأمانة في الموقف، وقدرة على قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية بوعي ومسؤولية، خصوصًا في محطة مفصلية بحجم مؤتمر الرياض 2026.