آخر تحديث :الثلاثاء - 27 يناير 2026 - 05:26 م

كتابات واقلام


حوار الرياض.. محاولة لإعادة هندسة القضية الجنوبية

الثلاثاء - 27 يناير 2026 - الساعة 02:31 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


ليس من قبيل الصدفة أن تأتي الدعوات للمشاركة في ما يُسمّى بالحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض محاطة بقدر كبير من الغموض والانتقائية. فالمتابع للمشهد السياسي يدرك أن هذا الحوار لا يُراد له أن يكون منصة وطنية جامعة بقدر ما يُراد له أن يكون أداة لإعادة هندسة القضية الجنوبية، وإعادة إنتاج المشهد بما يتوافق مع ترتيبات إقليمية مُسبقة.

المعايير غير المعلنة لاختيار المشاركين تكشف جوهر هذا التوجّه؛ إذ لا يُدعى إلى الحوار من يتمسك بمشروع استقلال الجنوب واستعادة دولته، ولا من يرفض المساس بالمجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته، بل تُفتح الأبواب على مصراعيها أمام شخصيات مستعدة للتخلي عن ثوابت القضية، والتنصل من حلفاء الجنوب، وقبول الوصاية السياسية تحت مسمى “التوافق”.

أحد أخطر أهداف هذا الحوار يتمثل في السعي لتصفية المجلس الانتقالي الجنوبي سياسياً، عبر الترويج لفكرة أن مرحلته قد انتهت، وأن الجنوب بحاجة إلى كيان بديل يُعاد تشكيله بولاءات جديدة، بعيداً عن الإرادة الشعبية التي عبّر عنها الجنوبيون في مختلف الساحات والمناسبات.

الأكثر إثارة للقلق هو إعادة تدوير شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، تسللت إلى الحراك الجنوبي منذ عام 2011، ثم وجدت طريقها لاحقاً إلى مواقع متقدمة داخل المجلس الانتقالي، قبل أن تلعب دوراً معطِّلاً من الداخل. هذه الشخصيات تعود اليوم بواجهة “الحوار” لتقود مشروعاً مناقضاً تماماً لتطلعات الجنوبيين.
ولا يمكن إغفال الدور الإعلامي المرافق لهذه العملية، حيث تُستخدم بعض المنصات والأصوات لترويج روايات مُعدّة سلفاً، وتحميل القيادة الجنوبية وحلفاءها مسؤولية أزمات وملفات معقدة، في مقابل وعود بمناصب سياسية ومكاسب شخصية في المرحلة القادمة.

أما الشرعية التي يُراد منحها لهذا الحوار، فهي شرعية شكلية تُصنع عبر إشراك شخصيات ذات حضور شعبي أو رموز وطنية محدودة العدد، بهدف تسويق مخرجات الحوار كإجماع جنوبي، بينما الحقيقة أن غالبية الشارع الجنوبي لم تكن جزءاً من هذا المسار، ولم تُستشر في نتائجه.

إن القضية الجنوبية أكبر من أن تُختزل في حوار انتقائي أو تُدار خلف الأبواب المغلقة. وهي ليست ورقة قابلة للمساومة أو المقايضة السياسية. وأي مسار لا ينطلق من الإرادة الشعبية الجنوبية، ولا يحترم تضحيات أبنائها، ولا يعترف بحقهم في تقرير مصيرهم، سيبقى مساراً فاقداً للشرعية، مهما حاولت الأطراف المعنية تغليفه بشعارات التوافق والحوار.

الصحفي صالح حقروص
2026/1/27م