آخر تحديث :الأربعاء - 28 يناير 2026 - 10:34 م

كتابات واقلام


حزب الإصلاح واستراتيجية الابتزاز: تعطيل الدولة وإرباك الإقليم

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 08:40 م

د.هادي فضل العولقي    
بقلم: د.هادي فضل العولقي   - ارشيف الكاتب





يخوض حزب الإصلاح، بوصفه الامتداد السياسي لتنظيم الإخوان المسلمين في اليمن، واحدة من أعقد معاركه السياسية منذ تأسيسه. ففي الوقت الذي يترقّب فيه اليمنيون تشكيل حكومة الدكتور شائع الزنداني باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب المشهد وإنهاء حالة الشلل، يبدو أن الحزب اختار المضي في مسار مغاير، قوامه الابتزاز السياسي لا الشراكة الوطنية، في محاولة لتعويض خسائره الميدانية المتراكمة عبر إعادة إحكام قبضته على مفاصل القرار داخل السلطة المعترف بها دولياً.

ثنائية الابتزاز – التمرد في الميدان والاستحواذ في الحكومة

يتجلّى سلوك حزب الإصلاح في عام 2026 ضمن معادلة مزدوجة ومتناقضة؛ فمن جهة، يرفض عملياً قرارات مجلس القيادة الرئاسي في مأرب والجوف وتعز، ويتمرد على تعيينات المحافظين والقادة العسكريين، ويعطّل تنفيذ توجيهات الرئاسة، ومن جهة أخرى، يخوض معركة شرسة لانتزاع أكبر عدد ممكن من الحقائب الوزارية في الحكومة المرتقبة.

هذا السلوك يعكس محاولة واضحة لفرض «شرعية موازية»؛ إذ يتعامل الحزب مع مأرب كمساحة نفوذ مغلقة لا تخضع لسلطة الدولة، بينما يطالب بالهيمنة على قرار حكومة يُفترض أنها تدير العاصمة المؤقتة عدن والجنوب. وهو ما يعيد إنتاج أزمة الدولة متعددة المراكز، ويقوّض أي مسار لاستعادة الحد الأدنى من الانضباط المؤسسي.

 استغلال التناقضات الإقليمية وورقة «الإخوان»

لا يقتصر ضغط حزب الإصلاح على الداخل اليمني، بل يمتد إلى الإقليم، وتحديداً المملكة العربية السعودية، مستفيداً من تعقيدات المشهد ومحاولات الرياض إدارة توازنات دقيقة بين القوى اليمنية. في هذا السياق، يسعى الحزب لتقديم نفسه كـ«حليف ضروري» في مواجهة القوى الجنوبية، ملوّحاً بماكينته الإعلامية والتنظيمية لتقويض أي مسار سياسي لا يضمن له النفوذ.

غير أن هذا التموضع يقوم في جوهره على سلوك انتهازي واضح؛ إذ يوظف الحزب حالة سوء التفاهم القائمة بين السعودية والإمارات كورقة ابتزاز سياسي،  ويسعى عملياً إلى تعميق أي خلاف، لأنه يدرك أن أي تقارب سعودي–إماراتي، أو  أي تنسيق مباشر بين الرياض والقوى الجنوبية، يعني بالضرورة تراجع قدرته على المناورة والهيمنة.

ومن هنا يمكن فهم موقف الحزب الرافض عملياً لأي علاقة مستقلة أو مباشرة بين الجنوب والمملكة العربية السعودية. فالإصلاح لا يرى في الجنوب شريكاً محتملاً للاستقرار، بل يعتبره تهديداً استراتيجياً لنفوذه، ويسعى إلى إبقاء العلاقة بين الرياض والجنوب رهينة وساطته السياسية، وأن يكون هو «البوابة الإجبارية» لأي تفاهمات أو ترتيبات. هذا السلوك لا يخدم المصالح السعودية، بل يضعها في موقع الطرف الذي يُستدرج إلى صراعات داخلية، ويُستنزف سياسياً في معارك لا تخدم جوهر أهدافه.

وتشير تحليلات حديثة، من بينها ما يطرحه علي البخيتي، إلى أن هذا الرهان بلغ حدوده القصوى؛ فالسعودية لم تعد تتعامل بمنطق التغاضي عن الخلفيات التنظيمية أو السلوكيات السابقة، بل باتت تبحث عن شركاء سياسيين عقلانيين، قادرين على الإسهام في الاستقرار، لا أطراف تحاول رهن قرار الدولة لحسابات تنظيمية عابرة للحدود.

ومن زاوية المصالح السعودية تحديداً، فإن المراهنة على حزب الإصلاح باتت خياراً عالي المخاطر. فالتجربة المتراكمة تثبت أن الحزب لا يتعامل مع الجهد السعودي كمشروع استقرار، وإنما كمساحة ابتزاز ومناورة ظرفية. كلما اقتربت التسوية صعّد أدوات التعطيل، وكلما ظهرت فرصة لإعادة بناء الدولة أعاد إنتاج الأزمات عبر التمرد الإداري والعسكري أو تفجير الصراعات داخل معسكر الشرعية ذاته. وتجاهل هذا النمط يعني عملياً منح طرف واحد قدرة مستدامة على تعطيل جهود الرياض، واستنزاف رصيدها السياسي، وتحويل مبادراتها من أدوات حل إلى وقود لأزمة مزمنة، وهو ما يتناقض جذرياً مع أهداف السعودية المعلنة في يمن مستقر غير خاضع لابتزاز التنظيمات.

 الاصطدام بالواقع الجنوبي – نهاية زمن الوصاية

تتمثل المعضلة الأكبر التي تواجه حزب الإصلاح اليوم في حقيقة الأرض جنوباً. فبحسب قراءات سياسية جنوبية، من بينها طرح أحمد الصالح، لم يعد ممكناً لحزب يفتقر إلى الحاضنة الشعبية والنفوذ الميداني في الجنوب أن يفرض أسماء أو سياسات معادية لتطلعات شعبه داخل مؤسسات الحكومة.

ويُنظر إلى إصرار الإصلاح على المحاصصة والسيطرة على الوظيفة العامة في عدن خاصة واليمن عامة باعتباره لغماً سياسياً يستهدف إفشال أي جهود لتطبيع الأوضاع. فالجنوب الذي راكم تجربة سياسية وأمنية مختلفة لم يعد يقبل بإعادة إنتاج أدوات الإقصاء والوصاية القديمة، وأي حكومة تخضع لهيمنة الإصلاح ستكون عملياً «حكومة منفى» جديدة بلا شرعية فعلية على الأرض.

«جيش الظل» واستنزاف الدولة المنهكة

يمثل حزب الإصلاح أحد أكبر أعباء الاستنزاف على ميزانية الدولة المنهارة، عبر آلاف من الوكلاء والمديرين والقادة العسكريين «الورقيين» المقيمين خارج البلاد. هذا الجيش الإداري والعسكري الوهمي يشكّل أداة لإدامة النفوذ المالي والسياسي، ويقف حجر عثرة أمام أي عملية إصلاح مؤسسي حقيقية.

ومن هنا يمكن فهم الاستماتة التي يبديها الحزب في عرقلة تشكيل حكومة كفاءات، إذ إن أي مسار إصلاحي جاد سيعني بالضرورة تفكيك شبكات الريع، وإنهاء حالة الاستنزاف المنظم للموارد، وإخضاع المؤسسات لمعايير الكفاءة والمساءلة.

 هل آن خريف نفوذ الإخوان؟!

تشير معطيات المشهد في يناير 2026 إلى أن حزب الإصلاح يمر بمرحلة انكماش تاريخي. فسياسة الابتزاز التي يمارسها تجاه السعودية ومجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء المكلّف تبدو أقرب إلى رقصة وداع لنفوذ طالما تغذّى على الفوضى وتعدد مراكز القرار.

السيناريو المرجّح واضح: إذا واصل الحزب نهج «الابتزاز أو التعطيل»، فإنه يخاطر بعزلة سياسية كاملة، وقد يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الإرادة الإقليمية والدولية تحت عنوان «عرقلة التسوية»، في ظل تصاعد المطالب الشعبية، شمالاً وجنوباً، بإنهاء هيمنة الأحزاب الفاشلة، وفتح المجال أمام كفاءات وطنية قادرة على إدارة الدولة لا ابتزازها.



د.هادي فضل العولقي


  أستاذ التاريخ والعلاقات بين الشرق والغرب بجامعة عدن.