آخر تحديث :الجمعة - 30 يناير 2026 - 02:05 ص

كتابات واقلام


أضعاف الجنوب: الحل المُجحف والتسوية السياسية المعطوبة

الجمعة - 30 يناير 2026 - الساعة 12:27 ص

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


شهدت الأيام الأخيرة تحولًا دراماتيكيًّا في مسار الأزمة اليمنية شمالًا وجنوبًا، حيث برزت مؤشرات خطيرة تُوحي بتحويل أضعاف الجنوب إلى عُمْلة تفاوضية في التسوية السياسية مع جماعة الحوثي، وهذا التحول ليس مجرد منعطف تكتيكي، بل هو انعكاس لتحولات جيوسياسية عميقة، وانزياح في موازين القوى الإقليمية، وتغير في حسابات اللاعبين الدوليين الذين باتوا يرون في الجنوب العربي بطاقة مساومة يمكن التضحية بها في مذبح التسويات الهشة والمعطوبة، بهدف الخروج من الحرب والتفرغ لمشاريع القوى السياسية الإقليمية في المنافسات الاقتصادية.

لطالما مثّل الجنوب العربي -بجغرافيته الموحَّدة وإرادة شعبه الصلبة وإمكاناته الاقتصادية- المعادلة الأكثر تعقيدًا في المشهد العام للأزمة، في ظل تناقض المصالح بين أجندة الرباعية الدولية والإقليمية، ولم تكن حروب السنوات العشر الماضية إلا محاولات متكررة للسيطرة على ثرواته، وتفكيك نسيجه الاجتماعي، وإخضاع إرادته السياسية، وإقصاء كوادره ورموزه الوطنية، ومحاولات تفكيك قواته العسكرية والأمنية، ومصادرة مقراته، واليوم، بدلًا من أن تكون تضحيات أبنائه وانتصاراته العسكرية ووحدته الجغرافية السياسية رصيدًا في أي حل عادل، نراها تُحوَّل إلى نقاط ضعف في مساومات تتنكر لحقوق شعب عربي عانى الويلات تحت مرأى ومسمع العالمين الدولي والإقليمي.

لقد تحولت ساحات القتال مع الحوثي إلى حرب مفتوحة ضد الجنوب وقيادته ورموزه الوطنية وقضية شعبه العادلة لاختبار مدى استعداد المجتمع الدولي لقبول محاولات جانبية تُفرغ الجنوب من قوته، وتعزله عن قياداته، وتمزق جبهته السياسية، وتستبيح مقراته. فهل يعقل أن يكون الثمن الذي يدفعه الجنوب اليوم هو نفسه الذي دَفَعَه بالأمس للحفاظ على اليمن موحدًا؟ أين منطق العدالة في معادلة تُكافئ الانقلابي وتُعاقب الضحية؟

من المنظور السعودي، تشكِّل التطورات الأخيرة محطة مفصلية في رحلة معقدة بدأت بدوافع واضحة: الدفاع عن الشرعية، ومواجهة التمدد الإيراني، والحفاظ على الأمن القومي العربي. لكن المتغيرات الدولية -من انشغال أمريكي بأولويات أخرى، إلى تقارب سعودي-إيراني هش، إلى تحولات في تحالفات المنطقة- فرضت إعادة حسابات ربما تأخذ منحًى مختلفًا.

السؤال الذي يُطرَح بإلحاح: هل باتت مصلحة الرياض اليوم تكمن في احتواء الحوثي عبر تسويات قد تضحي بالجنوب، بدلًا من إلحاق هزيمة استراتيجية بالجماعة؟ وهل تحولت الأولوية من إسقاط المشروع الإيراني إلى إدارة التعايش مع وجوده؟ هذا التحول -إن صَحَّ- يُعيد إلى الأذهان أسئلة وجودية عن مصير المشروع العربي برُمَّته، الذي بدأ يتراجع تحت وطأة المصالح الضيقة والتنافسات الاقتصادية على حساب عدالة قضايا الشعوب.

تواجه السعودية -والدول العربية- معضلة أخلاقية وسياسية معًا: فمن ناحية، هناك ضغوط دولية لإيجاد مخرج سريع للأزمة اليمنية، حتى لو كان على حساب شركاء الأمس، ومن ناحية أخرى، هناك التزام أخلاقي وتاريخي تجاه شعب الجنوب الذي وقف مع الشرعية، ودفع ثمنًا باهظًا في معركة كانت في جوهرها معركة عربية مصيرية.

إن أضعاف الجنوب ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل هو رسالة خطيرة تفيد بأن الولاءات يمكن أن تكون عابرة، والتحالفات قابلة للتفكك، والتضحيات قابلة للنسيان. وهذه الرسالة لن تؤثر فقط في مستقبل شعب الجنوب، بل في مصداقية أي تحالف عربي مستقبلي، وفي ثقة الشعوب بأنظمة تحكمها.

الخطر الحقيقي في تحويل أضعاف الجنوب إلى حل، لا يكمن فقط في الظلم التاريخي الذي سيلحقه بشعب عانى طويلًا، بل في كونه يُرسِّخ لمبدأ كارثي: وهو أن القوة الانقلابية المدعومة إيرانيًّا يمكنها أن تفرض واقعًا جديدًا، وأن المجتمع الدولي -وبعض الأنظمة العربية والإقليمية- ستتقبل هذا الواقع وتُضحي بشركائها من أجل استقرار وهمي.

إن أي تسوية تقوم على إضعاف طرف وإكرام طرف آخر -خاصة إذا كان هذا الطرف ضحية وذاك طرفًا معتديًا- هي تسوية مسمومة، تحمل في طياتها بذور صراعات مستقبلية. فالشعب الجنوبي لن ينسى، ولن يقبل بأن تتحول تضحيات أبنائه إلى مجرد ورقة في صفقة سياسية عابرة.

يبقى السؤال الأهم: هل ما زال هناك متَّسَع للأمل في حل عادل يحفظ حق شعب الجنوب ويحقق الاستقرار لليمن شمالًا وجنوبًا؟ الجواب يعتمد على إرادة القوى الفاعلة، وقدرتها على رؤية أبعد من الحسابات الضيقة؛ فاليوم، أمام السعودية والتحالف العربي خياران: إما الانزلاق في تسويات آنية على حساب مبادئ كانت سببًا في دخول المعركة، أو التمسك بثوابت العدالة والشراكة الحقيقية التي وحدها تضمن استقرارًا دائمًا.

إن مستقبل اليمن -والمنطقة- لا يُبنى على ظلم جزء من شعبها، ولا على تجاهل إرادة جماهيره؛ وأي حل سياسي لن ينجح إلا إذا اعترف بالجنوب كطرف أصيل ذي حق سياسي وجغرافي، لا كمجرد ورقة تفاوضية يمكن التلاعب بها؛ فالشعوب ليست وقودًا لمعارك الآخرين، ولا أجنداتها قابلة للمساومة، والحكمة تكمن في فهم هذه الحقيقة قبل فوات الأوان.