آخر تحديث :السبت - 31 يناير 2026 - 07:16 م

كتابات واقلام


خارطة الطريق الموءودة: قراءة في فلسفة الاستقرار الجنوبي الغائب في ضوء الإعلان الدستوري

السبت - 31 يناير 2026 - الساعة 04:44 م

حافظ الشجيفي
بقلم: حافظ الشجيفي - ارشيف الكاتب


يخطئ من يظن ان السياسة هي محض مناورات خلف الكواليس او انها مجرد فرض ارادات بالقوة بل هي في جوهرها وفلسفتها العميقة تتمقل في القدرة على قراءة المتغيرات واستيعاب الطموحات الشعبية ضمن قوالب دستورية رصينة ومنطقية لا تحيد عن الحق ولا تميل مع الهوى وعندما نقف اليوم امام بنود الاعلان الدستوري الذي اصدره رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي على خلفية الاعتصامات الشعبية المفتوحة التي شهدتها المدن الجنوبية قاطبة في ديسمبر الماضي مطالبة باعلان الاستقلال نجد انفسنا امام حقيقة سياسية ناصعة مفادها ان الرؤية الوطنية العامة التي تضمنها هذا الاعلان لم تكن لتختلف او تتعارض في جوهرها مع الاجندات الاقليمية التي تتبناها المملكة العربية السعودية بل كانت تتماشى معها في خطوطها العريضة وتتقاطع معها في نقاط الالتقاء الاستراتيجي بما يضمن استقرار المنطقة وحماية المصالح المشتركة دون صدام او شقاق.
فالقراءة المتأنية والواسعة لهذا الاعلان تكشف بجلاء انه لم يكن يستهدف اقصاء اي طرف جنوبي معارض بل جاء مستوعبا لكل الرؤي والتباينات ومحتويا لكل التناقضات السياسية التي قد تظهر على السطح مما يعني بالضرورة انه لم يكن هناك اي مسوغ او حاجة تدعو للتدخل العسكري ضد القوات المسلحة الجنوبية سواء من قبل الجانب السعودي او الجانب اليمني ولم تكن هناك ضرورة سياسية او اخلاقية تلجأ بموجبها الاطراف الى محاولة حل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يمثل في حقيقة الامر ارادة الشعب الجنوبي والمعبر الصادق عن تطلعاته وطموحاته في وقت كان من الاولى فيه تعزيز مكانة هذا المجلس ليكون شريكا فاعلا في صياغة المستقبل بدلا من محاولات الاستفزاز التي تتم حاليا لقمع ارادة الشعب في نيل استقلاله وهي المحاولات التي لا تزيد الواقع الا تعقيدا ولا تزيد الصدور الا غليانا.
حيث تضمن الاعلان الدستوري نصا صريحا على فترة انتقالية للجنوب تمتد لسنتين قابلة للتمديد قبل الاعلان الرسمي والكامل عن الاستقلال على ان يسببق ذلك استفتاء شعبي يقرر فيه ابناء الجنوب مصيرهم وهو شرط وضعه المجلس كبادرة حسن نية وطمأنة للمجتمع الدولي والاقليمي رغم ان هذا الشرط تحديدا لا ينطبق على القضية الجنوبية لاعتبارات تاريخية وسياسية وقانونية كثيرة ومعقدة تجعل من حق الاستقلال حقا ناجزا لا يحتاج الى برهان جديد كما ان الاعلان الدستوري ربط هذا المسار بحوار يتم بين الجنوب وبين طرف شمالي موحد يمثل الشمال لمناقشة مستقبل العلاقة بين الطرفين بروح المسؤولية والندية بما يضمن حقوق الجميع ويمنع انزلاق الامور نحو الفوضى.
فيما ان اعطاء الشعب الجنوبي حرية اختيار شكل دولته لاحقا عبر عن قمة النضج السياسي الذي اشتمل عليه الاعلان وهي رؤية لا تتعارض مع اي طرف جنوبي يطمح للمشاركة في بناء الوطن ولا تختلف مع اي اجندات اقليمية تنشد الاستقرار بل هي لا تتعارض حتى مع المنطق الشمالي الذي يبحث عن حلول نهائية للأزمات المتلاحقة وبالرغم من ان الاعلان لم ينص صراحة على عقد حوار جنوبي الا انه لم ينفي ابدا ولم يلغي الحاجة الملحة لعقد مؤتمر حوار جنوبي يجمع كل الاطياف تحت رعاية سعودية خلال الفترة الانتقالية التي نص عليها لمناقشة كافة القضايا الماثلة والتباينات القائمة على ضوء الميثاق الوطني الجنوبي الذي تم التوافق عليه في اللقاء التشاوري الموسع الذي انعقد في عدن عام الفين وثلاثة وعشرين بحيث تكون مخرجات هذا الحرار المرجعية الاساسية للجنوب حتى لو تعارضت مع مضامين الاعلان الدستوري انطلاقا من مبدأ ان التوافق الجنوبي يعلو ولا يعلى عليه.
وبناء على كل ما تقدم فانه لم يكن هناك اي مبرر للسعودية للقيام بقصف القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة او استهداف شخص القائد عيدروس الزبيدي او السعي لحل المجلس الانتقالي وممارسة الضغوط القاسية على الوفد الذي ارسله المجلس للحوار الذي دعت اليه المملكة بعد عمليات القصف تلك اذ ان تلك التصرفات الرعناء لم تسفر الا عن تعقيد المشهد السياسي وزيادة الفجوة بين الحلفاء في وقت كان فيه الاعلان الدستوري يدعم التوجهات الاقليمية ويرسخها وكان يمكن للسعودية ان تحسن استغلال هذا الاعلان وتطوعه لصالح نتائج الحوار بدلا من محاربته خصوصا وان المجلس الانتقالي كان قادرا تماما على السيطرة على ارادة الشعب وتطوبعها بكل سلاسة نحو مخرجات سياسية مرضية للجميع ولو ان هذا الحوار تم في ظل الاعلان الدستوري ودون تدخلات عسكرية او منغصات سعودية لأسفر عن نتائج تضمن السلام الدائم فيما لا يزال الباب مواربا لتدارك هذا الخطأ الجسيم واعادة احياء الاعلان الدستوري واعادة الامور الى نصابها الطبيعي الذي كانت عليه قبل هذا التدخل الذي تسبب في بعثرة الاوراق واضاعة فرصة تاريخية للحل السلمي والمستدام.