آخر تحديث :الإثنين - 02 فبراير 2026 - 04:52 م

كتابات واقلام


ثلاث سنوات من التضليل: كيف حوّل الإعلام السعودي الكذبة إلى حقيقة مزيفة

الإثنين - 02 فبراير 2026 - الساعة 03:15 م

عدنان قائد
بقلم: عدنان قائد - ارشيف الكاتب


ليس كل ما يُبنى على باطل يسقط… إلا أن الإعلام السعودي أثبت العكس بطريقة لم يشهدها العالم العربي من قبل. فقد بدأ كل شيء بخبر مختلق، نتج عن اختراق وكالة الأنباء القطرية، تحوّل سريعاً إلى رواية رسمية ظلّت تُروَّج ثلاث سنوات كاملة، رغم صدور تكذيب رسمي مبكر لم يُمنح أي تغطية إعلامية. الكذبة وُلدت من مصادر رسمية، لكنها تكرّرت وتوسعت عبر قنوات فضائية وإذاعات وصحف ومنصات رقمية، مدعومة بجيوش إلكترونية منظمة، حتى صارت جزءاً من وعي الجمهور، وتحولت إلى خطاب شبه رسمي في المنطقة بأسرها.

ما حدث لم يكن مجرد خطأ مهني عابر، بل سلسلة انتهاكات ممنهجة ضد أبسط قواعد الصحافة، حيث نُشرت الأخبار بلا تحقق، وتجاهل أي تصحيح عند ثبوت الكذب، وتم إقصاء أي وجهة نظر مخالفة بالكامل، فيما امتنع الإعلام عن تقديم أي اعتذار للجمهور، وهو رأس مال أي سلطة رابعة حقيقية. ما كان يفترض أن يكون مسؤولية مهنية صار سياسة مدروسة لتشكيل رأي عام مصطنع، ينساق خلف الرواية الرسمية ويصبح مستعداً لقبول أي كذبة أو تضليل مستقبلي.
القنوات الفضائية والإذاعات والمنصات الرقمية والصفحات الرسمية، مدعومة بجيوش إلكترونية منظمة، جُندت لتكرار الكذبة نفسها بأساليب مختلفة، من عناوين مضللة جذابة إلى صور وفيديوهات محرّفة أو مختلقة لتأكيد الرواية، وصولاً إلى هجوم منسق على أي صوت مخالف. لم تحترم هذه الآلية الخصوصية أو القيم الاجتماعية أو المبادئ الأخلاقية، بل تعدت إلى توجيه الرأي العام ضد بعض أبناء الخليج أنفسهم، وإضعاف اللحمة المجتمعية لإخضاع الجمهور لرواية واحدة صاخبة لا تسمح بالنقاش أو النقد.

يربط مراقبون هذا التحول الإعلامي بمرحلة صعود الأمير محمد بن سلمان، حيث شهدت السعودية إنشاء قنوات جديدة بتمويل ضخم، وتسيير كامل للمنصات الرقمية لضمان نشر الرواية الرسمية بلا اعتراض، واستيراد نماذج إعلامية خارجية متخصصة في التضليل والتهييج والاختزال وصناعة الإثارة، بصفقات بمليارات الدولارات. لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في أدوات الإعلام، بل كان إعادة صياغة كاملة للرسالة واللغة والمنهجية، بحيث أصبحت الكذبة أداة سياسية واستراتيجية اجتماعية أكثر من كونها مجرد خبر.
الكلفة لم تكن إعلامية فقط، بل أخلاقية واجتماعية وسياسية. فقد انحدرت ثقة الجمهور في المؤسسات الإعلامية، وتدمّرت الرصانة الثقافية والأخلاقية، وتحول النقاش إلى تهكم وشتيمة، وضُربت اللحمة المجتمعية،

وأضعفت القدرة على النقاش الداخلي البنّاء. السعودية هبطت إلى المرتبة 170 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2020، مما يؤكد حجم الانحدار والتراجع في مصداقية الإعلام الرسمي. الإعلام الذي كان من المفترض أن يثقّف المواطن ويحرك الرأي العام نحو الحقيقة أصبح أداة لتفكيك الثقة، وتحويل الترفيه والابتذال إلى عنوان على حساب السياسة والقضايا الكبرى.

اليوم، يعكس الإعلام السعودي "سعودية جديدة" و"سعوديين جدد"، بعيدين عن ثوابت الأمة وقضاياها الكبرى. فلسطين لم تعد قضية مركزية، التطبيع لم يعد يزعج أحد، والترفيه أصبح العنوان الرئيسي، فيما تُهمش القضايا السياسية والاجتماعية الكبرى. حتى خطاب الدولة الرسمي أصبح أكثر ابتذالاً وأقل مصداقية، مما يفتح المجال للتضليل المستمر واستغلال الرأي العام بشكل غير مسبوق.

يبقى السؤال الأهم: من موّل وأدار حملة التضليل الأولى؟ لماذا مُنع التصحيح، ولماذا لم يُعط أي اهتمام للحقائق؟ من يدير الجيوش الإلكترونية، وبأي غطاء قانوني؟ هل الهدف الدفاع عن سياسات الدولة أم إسكات أي صوت نقدي؟ وهل يمكن إصلاح هذا المسار دون تفكيك بنيته الحالية؟ كان من الممكن للإعلام السعودي أن يدافع عن سياسات الدولة بمهنية ومصداقية، لكن الاختيار كان الانحدار إلى التضليل والابتذال. ثلاث سنوات من الكذب الممنهج لم تكن مجرد حملة إعلامية، بل مشروع متكامل لإعادة تشكيل الوعي العام، وتوجيه المجتمع وفق استراتيجية سياسية صارمة.

السؤال الأكبر يبقى: إلى متى يمكن للكذبة الممولة أن تصمد أمام الحقيقة؟ ومتى سيبدأ الإصلاح قبل فوات الأوان؟.