آخر تحديث :الثلاثاء - 03 فبراير 2026 - 08:47 م

كتابات واقلام


لماذا تؤدي الشراكة الى القطيعة بين الأصدقاء؟

الثلاثاء - 03 فبراير 2026 - الساعة 06:30 م

حسين أحمد الكلدي
بقلم: حسين أحمد الكلدي - ارشيف الكاتب


يميل كثير من الأفراد إلى الدخول في شراكات تجارية مع أصدقائهم، خصوصًا أولئك الذين تجمعهم بهم علاقات متينة قائمة على الثقة والتقارب الفكري والإنساني. وغالبًا ما تتحول هذه العلاقات، نتيجة الانسجام في الرؤى وتداخل التجربة الإنسانية مع الثقة المتبادلة، إلى شراكات تجارية. غير أن هذه الثقة العالية قد تتحول أحيانًا إلى ما يمكن وصفه بـ«الثقة العمياء»، وهي من أبرز الأسباب التي تقود لاحقًا إلى نشوء الخلافات. فعند البدء في الشراكة، يتم في كثير من الحالات الاتفاق على العمل بصورة غير منظمة، دون اللجوء إلى التوثيق القانوني الذي تفرضه الأنظمة والقوانين الأساسية الحاكمة للأعمال التجارية، مثل تحديد الأدوار والمسؤوليات، ونِسَب الأرباح والخسائر، وصلاحيات اتخاذ القرار. ونتيجة لذلك، تظهر أثناء سير العمل مشكلات مالية وإدارية ناتجة عن اختلاف الرؤى والأهداف ووجهات النظر بين الشركاء؛ فقد يميل أحدهم إلى التوسع السريع، بينما يفضّل الآخر العمل بوتيرة متأنية ومدروسة. ومع اختلاف المصالح وتفاوت حجم الجهد المبذول، تبدأ الثقة بالاهتزاز، وقد يشعر أحد الأطراف بأنه يتحمل عبئًا أكبر من شريكه، مما يولّد إحساسًا بالظلم نتيجة هذه المتغيرات. وفي ظل تجنّب المواجهة الصريحة خوفًا من تصعيد الخلاف أو خروجه عن السيطرة، تتسع الفجوة تدريجيًا بين الأطراف، وتتراكم الإشكالات حتى تصل إلى مرحلة الانفجار،حيث يصبح من الصعب احتواؤها أو التحكم في نتائجها.عند هذه النقطة، تتضرر الصداقة والعمل معًا، ويلجأ كل طرف إلى طلب المشورة من المقربين أو من ذوي الخبرة في محيطه، وقد يتجه أحدهم في نهاية المطاف إلى المختصين أو إلى القضاء. وهنا يتم إهمال الهدف الحقيقي الذي أُنشئت الشراكة من أجله منذ البداية. وعند توجيه السؤال لأحد الشركاء أو لكليهما: هل تم توثيق عقد الشراكة بينكم؟ غالبًا ما يكون الجواب: لا، كانت الثقة هي الأساس. وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا وُضعت القواعد والأنظمة التي تنظم الأعمال بين الناس وصيغت في قوانين مترابطة ومتسقة؟
إن الغاية الأساسية من هذه القواعد هي حفظ حقوق جميع الأطراف. فالتوثيق القانوني للشراكات لا يهدف إلى تقويض الثقة، بل يمثل الإطار الحقيقي الذي يحميها ويضمن استمراريتها بصورة عادلة ومنظمة.
إن الالتزام بالقواعد النظامية يجعل كل طرف على دراية واضحة بحقوقه وواجباته، ويحدّ من فرص النزاع. وعندما تُهمَل هذه القواعد في الشراكات أو المؤسسات الضعيفة إداريًا، تنشأ الخلافات نتيجة غياب المرجعية التي تنظّم العلاقة وتحفظ الحقوق.
وعليه، فإن التعامل مع الشراكات التجارية يجب أن يكون منذ بدايته قائمًا على أسس قانونية واضحة، مع توثيق جميع الاتفاقيات بعيدًا عن تأثير العواطف أو روابط الصداقة. فالعقود الموثقة تمثل مرجعًا يُرجع إليه عند حدوث أي اختلال، وتوفر الحماية القانونية للحقوق، وتحافظ على الثقة بين الشركاء. كما أن الالتزام بالقواعد المهنية يقلل من الوقوع في النزاعات، ويؤكد أهمية الفصل بين العلاقة الشخصية والعلاقة المهنية، لأن غياب التوثيق الرسمي يفتح المجال لاختلاف الرؤى الإدارية والمالية، ويُسهم بشكل مباشر في تفكك الشراكات وفساد العلاقات الإنسانية.