آخر تحديث :السبت - 07 فبراير 2026 - 01:36 ص

كتابات واقلام


حول الحوار الجنوبي وراعِيَه.. هواجس وأفكار

السبت - 07 فبراير 2026 - الساعة 12:30 ص

احمد عبداللاه
بقلم: احمد عبداللاه - ارشيف الكاتب


بسبب الهجمات الإعلامية السعودية المستمرة وغير المسبوقة، يصبح لزاماً على الإخوة الجنوبيين الموجودين في الرياض، أفراداً وجماعات، أن يتيقظوا ويقلقوا، بل أن يمنحوا القلق مداه الكامل؛ لا باعتباره خوفاً، وإنما أداة وعي وحسّاً ضرورياً.

منذ البدايات، عقب انطلاق "عاصفة الحزم"، قلنا إن الشكّ هو ملح الحكمة وأحد شروطها. والأيام، لا الخطابات، هي التي أثبتت أن الارتياب في سياسات المملكة ليس قصوراً في الفهم ولا سوء نية، بل كان وما يزال ضرورة سياسية. فالمملكة، بعد التجارب، لا يمكن أن تكون راعياً محايداً في قضية الجنوب، وإنما تسعى، وفق معطيات الأحداث الأخيرة، إلى امتصاص الغضب وتفكيك الصدمة التي أصابت الوعي الجنوبي.

هذا الطرح ليس سجالاً مع الواقعية، ولا إدانةً للبراغماتية في إدارة الأزمات؛ لأن كليهما يفقد مشروعيته حين يتحول إلى أداة تبرير. فالقضية الجنوبية لم تُوضع على طاولة ترعاها المملكة إلا في لحظة الانكسار هذه، وتبدّل موازين القوى على الأرض. ولهذا فإن ما يُحسم خارج تطلعات الناس سيشعل حراكاً ثورياً أشد بأساً، وقد يتحول الجنوب إلى صندوق بارود.

وعلى النقيض من السرديات المُسكِّنة التي يروّج لها بعض ضيوف المملكة من الجنوبيين، يتراكم على الأرض واقع مغاير، تُمارَس فيه عملية تجريف ممنهجة لكل ما تراكَم جنوباً منذ 2015. ويوازي ذلك إعلامٌ يبدو وكأنه عَقَر قلمه عن الكتابة خارج منطق الردح ضد الجنوب، إلى حدّ تبرئة ساحة الإرهاب من بعض أفعاله، وإعادة تحميلها لقوى أخرى؛ وتلك هي أمّ الكبائر الإعلامية.

ورغم الادعاء الرسمي بأن الإعلام لا يعكس القرار السياسي، وبأن السعودية راعٍ محايد للحوار الجنوبي، يكشف البيان المشترك مع تركيا تناقض هذا الخطاب عملياً. فالبيان، حين يرفض ما يسميه دعم "قوى داخلية" بذريعة "تقسيم البلاد"، لا يستخدم توصيفاً محايداً، بل يستحضر مصطلحاً مُصمَّماً منذ سنوات كأداة تخويف وابتزاز سياسي، باتت دلالاته واضحة في الوعي الجنوبي.

هنا لا تكمن الخطورة في البيان ذاته، فهو غير ملزم قانونياً، بل في معناه السياسي، وفي إعادة إنتاج سردية جاهزة يعرفها الشارع الجنوبي جيداً، ويدرك من اخترعها وروّج لها. كما تكمن الخطورة في ما تكشفه من نوايا تتعلق بتشكيل الموقف، وتوجيه البوصلة، وترسيم حدود المقبول والمرفوض من قبل من يقدّم نفسه راعياً لحوار "دون سقف".

المملكة، بحكم طبيعتها التاريخية وطموحها، وسعيها لتكريس ذاتها قطباً أحادياً في الإقليم ومركزاً لكل المراكز، تعيد تشكيل تحالفاتها باستمرار. ومع كل انعطافة جديدة يتبدّل الحلفاء وتتغيّر لغة الإعلام: من المديح إلى الإدانة، ومن الشراكة إلى التخوين. وليس خافياً أن هذا النمط في تدوير التحالفات قد تكرّر مع دول عدة في المنطقة، بما يؤكد أن المسألة ليست استثناءً عابراً، بل نهجاً متكرراً. ولهذا لا يمكن أن تتوقف عند قضية الجنوب إلا بما يخدم مصالحها، وفي إطار تحالفاتها الجديدة، على الأقل في هذه المرحلة.

من هنا، لا يأتي التحذير بلغة انفعالية، بل بعقلانية باردة: إن قررتم، أيها المتحاورون، الانخراط في أي مسار حواري، فافعلوا ذلك بوعي متحرر من ضغوط اللحظة، وبحسّ تاريخي عميق. فالمملكة، كما أثبتت الوقائع، ليست سنداً يُعتدّ به في قضية بحجم قضية الجنوب.

وإذا ما تشكّل لديكم يقين، ولو جزئياً، بأن المسار يتجه نحو خذلان القضية أو تفريغها من مضمونها، فإن اتخاذ موقف واضح، يصون تطلعات الناس، يصبح واجباً لا خياراً.

قد لا تصنع المواقف وحدها المعجزات، لكنها تصنع التاريخ. وسيكون مشرّفاً أن تقفوا بوضوح مع شعبكم، كما سيكون مأساوياً أن تنساقوا، بحسن نية أو دونها، خلف وعود قد تنتهي بتوافقات، مفروضة تمليها ظروف اللحظة، فتُقزِّم القضية وتربك حضورها أمام العالم.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تفاجئنا الشقيقة، ولو مرة، بعكس هذه الهواجس ؟
أحمـــــــــــدع