آخر تحديث :الأحد - 22 مارس 2026 - 10:48 م

كتابات واقلام


هل صارت "الوحدة اليمنية" صنماً يُعبَدُ؟

الأحد - 22 مارس 2026 - الساعة 09:47 م

د. عيدروس نصر ناصر
بقلم: د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب


هذا الحديث دار بيني وبين احد الزملاء من الناشطين السياسيين المهووسين بـ"الوحدة اليمنية" حد التقديس.
كان حديثنا الودي يدور عن الخيارات المطروحة أمام اليمنيين للخروج من هذا الدمار الذي تجاوز العقد، والذي تمتد جذوره إلى ما قبل ثلاثة عقود ونيف من الزمن.
عبرت لزميلي عن موقفي الشخصي المعروف للجميع وهو إن العودة إلى وضع الدولتين يمثل أنجع الحلول لمشاكل اليمنيين في الجنوب كما في الشمال على السواء.
قلت له: ومع ذلك لا باس من مرحلة انتقالية تقوم على فيدرالية بإقليمين يحفظان الوضع القائم ولا يضيفان جديداً ولا ينتقصان شيئاً مما عليه الحال الراهن، ولمدة محدودة يتم فيها التفاوض بين ممثلي الإقليمين، على طريقة إنهاء شراكة 1990م وتحديد مستقبل الشراكات الجديدة ونوع المشتركات بين الدولتين المستقبليتين.
لكن صاحبي قال لي:
- نحن نرفض الفيدرالية لا باقليمين ولا بستة ولا بعشره أقاليم، نحن متمسكون بالوحدة الاندماجية وسنسعى الى الحفاظ عليها بكل السبل.
وهنا قلت له مداعباً:
- الحقيقه انا شخصياً أُأَيد الوحدة الاندماجية بين منطقة الحوبان وشارع جمال بتعز وبين قبائل الجدعان وصرواح ومدينة مأرب .
لكن صاحبي انتفض فجأةً وامتشق سيف العبارات المشحونة بالعصبية والهستيريا قائلا :
- انت معروف إنك انفصالي مرتزق من عملاء الإمارات تريدون بيع البلاد للصهاينة.
ولم يكتفِ بهذا بل أضاف:
- أنت من الذين يتاجرون بالوطن ووحدته مقابل بعض الدراهم، لكن نهايتكم ستكون قريبة مثل عيدروس الزبيدي وعلي سالم البيض وكل من يخون وطنه.
أدركت حينها أن الحديث بيننا وصل إلى طريق مسدود فطالما انتقل الحوار من تبادل للافكار والاراء الى خانه الاتهام والشتم والتحقير فلا مجال لأي نقاش.
هذا النوع من السياسيين لا يمكن الرهان على الوصول معهم إلى مشتركات حتى لو كان الأمر يتعلق بـ"الوحدة الاندماجية" التي يتمسك بها البعض كما تمسك عباد الأوثان بأوثانهم لآلاف السنين، ولست بحاجه إلى التكرار بان مفاهيم "الوحدة" و"الانفصال" و"الاقاليم" والفدرالية" و"الكونفيدرالية" و"الدولتين" و"الدولة الواحدة" وغيرها من الخيارات السياسية ليس بينها صنمًا مقدسًا يُعبَد من دون الله، ولا علاقة لها لا بأركان الإسلام ولا بنواقض الوضوء، بل هي قبل كل شيء خيارات وأهداف سياسية ترتكز على عنصرين:
العنصر الأول هو المصلحة التي يمكن أن يقدمها هذا الخيار أو ذاك للناس أصحاب الحق الأول والاخير في تقرير أي من الخيارات المطروحة يمكن ترجيحه عما سواه من الخيارات.
والعنصر الثاني: وهو إمكانيه نجاح الفكرة التي يتكئ عليها هذا الخيار أو ذاك.
وهكذا فهالة القداسة التي أضفتها ثقافة التهييج والتثوير والتحريض المبتعدة عن حقائق الواقع وتعقيداته، ومنح بعض المفردات أكثر مما تستحقه من التضخيم والمبالغة، بجانب المصالح الخفية التي لا يجرء أصحابها على البوح بها، هي ما تجعل القضايا البسيطة محل خلاف يصل بالأمور إلى الاقتتال والاحتراب وتدمير كل شيء بما في ذلك القضية موضوع الخلاف.
ولست بحاجه الى البرهان على أن خيار الوحدة الاندماجية قد فشل وأن خيار الاقاليم الستة الذي يكثر السياسيون من الاشقاء الشماليين الحديث عنهم قد رُفِضَ من الأشقاء الشماليين أنفسهم قبل أن يرفضه الجنوبيون، ويعلم الجميع أن الحوثيين وحلفاؤهم في الانقلاب، قد قاموا بانقلابهم على خلفية رفضهم لمشروع الأقاليم، أما الجنوبيون بما في ذلك الزملاء الذين شاركوا باسم الجنوب، في مؤتمر صنعاء للحوار فقد كان خيارهم واضحاً وهو العودة الى وضع الدولتين الشقيقتين المتعاونتين المتعايشتين.
واخيرًا اليمن تعيش وضع الدولتين؛ فهناك ما يشبه الدولة في الشمال ومثلها في الجنوب ،هناك محاولة لتوليد جنين لم يتخلق بعد عن طريق العملية القيصرية أو أطفال الأنابيب وهو ما يسمى بـ"خارطة الطريق" التي يجري تسويقها على إنها الحل السحري لكل مشاكل البلاد، وما الانقلاب على الجنوب في مطلع يناير الماضي إلَّا محاولة لاستبقاء هذا المخلوق المصنع معملياً، والذي لا تلوح له أي عوامل نجاح في الافق المنظور.
فمحاوله استرضاء الحوثيين من خلال تدمير المشروع الجنوبي، والقضاء على حق الشعب الجنوبي في تقرير مستقبله المستقل، مكتوب لها الفشل مقدماً، حتى لو قبل كل من أسماهم الصديق مصطفى نعمان بـ"الوحدويين الشرعيين" بالتحالف مع "الوحدويين الحوثيين" وعقدوا صفقه العودة إلى صنعاء ستظل "الدولة الحوثية" هي الدولة القائمة على الأرض الشمالية، وهي الدولة المرفوضة عند معظم الشعب الشمالي، أما الجنوبيين فقد حسموا أمرهم معها منذ القرن السابع عشر بعد كسرهم للغزو القاسمي، وفي العام 2015م جسدوا هذا الرفض عملياً، وإذا ما راهن مسوقوا هذا المولود المشوه بأنهم بتدليلهم للجماعة الحوثية وتلبية مطالبها سيحولونها إلى مشروع صديق فإنهم واهمون، والأيام هي من سيبرهن ذلك.
وخلاصة القول: إن مشروع "الوحدة اليمنية" الذي فشل بالوسائل التوافقية السلمية، لا يمكن أن يستعاد بالإكراه، كما إن الشعبين الجنوبي والشمالي لم يحصدا أي ثمار لهذه المحاولة الفاشلة، ومن جنى كل الحصاد هم مجموعة النهابين والسالبين ولصوص الثروات والأراضي والمشايع الاستثمارية خارج القانون وأصحاب الوكالات التجارية والاستثمارية.
"فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ".