آخر تحديث :الخميس - 26 مارس 2026 - 12:06 ص

كتابات واقلام


تعريف الخيانة في ميزان القضية الجنوبية

الخميس - 26 مارس 2026 - الساعة 12:06 ص

حافظ الشجيفي
بقلم: حافظ الشجيفي - ارشيف الكاتب


يخيل للبعض أن الخيانة وجهة نظر، أو أنها مجرد هفوة في تقدير المواقف، والحقيقة التي لا تدارى بالغربال أنها انخلاع كامل من جلد الإنسانية، وارتداد شنيع عن ميثاق الوجود الذي ائتمن المرء على عهد فارتد العهد طعنة نجلاء في صدر من وضع الثقة ومنح الأمان فيه، فهي في جوهرها وجبينها الأسود عملية بيع رخيصة لما لا يملكه المرء أصلا لمن لا يستحق أدنى التفاتة، وهي أقبح صور السقوط الإنساني لأنها لا تبارزنا من الأمام وجها لوجه لنستعد لها، بل تتسلل من خلف الظهور بلسان قريب نأمن جانبه، فخائن العهد شخص ماتت في عروقه فضيلة الأنفة واستبدل بها دناءة النفس ليحقق مأربا ذاتيا ضيقا على حساب مجموع مقدس تفتدى ذرات ترابه بالأرواح.

والخيانة الوطنية على وجه التحديد هي الدرك الأسفل من المروق، والجريمة النكراء التي لا تغسلها كل مياه البحار ولا يمحوها تعاقب السنين، إذ يتلخص تعريفها الدقيق في تقديم مصلحة الخارج أو شهوات الذات على سيادة الوطن وسلامة الشعب، وهي في القاموس السياسي تواطؤ قذر مع القوى الطامعة لتمكينها من قرار البلاد ومقدراتها، وفي المفهوم الجنائي تجسس وتسهيل لمهام المعتدي لكسر إرادة المقاومة، أما في ميزان الأخلاق فهي استقواء بالغرباء لإذلال الأقرباء، وحالة من التبعية المطلقة التي تحول الفرد إلى مجرد حذاء في قدم الممول يحركه حيث يشاء ليضرب مصالح أهله وناسه دون وخز من ضمير أو رادع من حياء.

وإذا أردنا أن نميز بين الوفي والخائن في واقع نضال شعب الجنوب العربي المرير، فلا بد من إسقاط هذه الحقائق على الأرض، فالخيانة الوطنية الجنوبية تتبدى في ارتضاء البعض أن يكون مطية لمشاريع اليمننة أو التبعية الإقليمية التي تستهدف طمس الهوية وتفتيت النسيج الاجتماعي من المهرة إلى باب المندب وتسليم ثروات الأرض لقوى النهب مقابل فتات الموائد، كما أن الخيانة الثورية تظهر في محاولات الالتفاف على هدف الاستقلال الناجز الذي تعمد بدماء الشهداء، والقبول بحلول ترقيعية تئد حلم الأجيال، فكل من يساوم على الهدف الأعلى مقابل منصب زائل أو مكسب حزبي ضيق إنما يخون عهد من بذلوا أرواحهم لتحرير الأرض من دنس التبعية والاحتلال وكل اشكال الوصاية.

وتتجلى الخيانة السياسية في أبشع صورها حين يمارس البعض اللعب على الحبال ويستغل معاناة الناس في خدماتهم ومرتباتهم وأمنهم للضغط عليهم سياسيا لصالح الكفيل الخارجي، أو حين يحاول شق الصف وتفريخ مكونات كرتونية لإضعاف الحامل السياسي للقضية تمهيدا لفرض إرادة الخارج، ولعل خيانة الدماء هي الوجع الأكبر الذي يتمثل في التآمر على القوات المسلحة الجنوبية وتسهيل ضربها أو تبرير القصف والاستفزاز الذي يطال الأرض الجنوبية كما حدث في حضرموت والمهرة، وتصوير ذلك الاعتداء الصارخ على أنه ضرورة ملحة، بينما هو في حقيقته طعنة مسمومة في روح المقاومة التي تحمي السيادة وتذود عن الحمى.
والفرق بين الوفي والخائن كالفرق بين ضياء النهار وحلكة الليل، فالوفي يدور حيث دارت مصلحة الجنوب، صلب لا يلين في الشدائد ولا يبيع في أسواق الرخاء، يرى كرامته الشخصية منبثقة من استقلال وطنه، أما الخائن فيدور حيث دارت مصلحة الكفيل، يبرر أفعال الخارج مهما بلغت حدة الاستفزاز ويهاجم تطلعات شعبه تحت ستار الواقعية أو السياسة الماكرة، وهو في الحقيقة ينفذ مهمة وظيفية مدفوعة الثمن ليس إلا، فالوفاء للجنوب اليوم يعني التمسك بالثوابت والاصطفاف خلف الإرادة الشعبية ورفض أدوات الاستلاب مهما تعددت المسميات، إذ لا وجه للخيانة سوى القبح ولا عنوان للوفاء سوى الاستقلال.

ومن المضحكات المبكيات في هذا الزمن أن نرى بين النخب من يعقلن الخيانة وينبري لانتقاد من يخونون الخائنين، وكأنهم يريدون منا أن نشكر من يبيع الوطن ونعته بالوطني الغيور بينما يمارس خيانته جهارا نهارا، وبدلا من تقديم النصح لهؤلاء بالتوقف عن هذا المنزلق الخطير نراهم يوجهون سهام نصحهم للمتضررين والمنتقدين، فكيف نتغاضى عن خيانة تمارس أمامنا وعلى رؤوس الأشهاد، فالحق والمنطق يوجبان أن نقول للخائن إنه خائن في وجهه وأن يحاكم وينبذ، وإلا فإننا نفتح الباب لمزيد من السقوط، فلا يوجد وطني شريف يمكنه أن يردد ما يردده هولاء أو يبرر ما لا يمكن تبريره في حق وطن يرزح تحت وطأة التآمر.