آخر تحديث :الأحد - 29 مارس 2026 - 06:49 م

كتابات واقلام


الصراحة المُحرِجة

الأحد - 29 مارس 2026 - الساعة 05:09 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في السياسة، هناك نوعان من الإحراج:
إحراج مقبول يُقال همسًا خلف الأبواب المغلقة، وإحراج يُلقى في وجه الناس مباشرة كما تُلقى نكتة وسخة في مجلس عزاء.
وما فعله ترامب، على ما يبدو، لم يكن مجرد تصريح عابر، بل كان ذلك النوع الثاني من الإحراج الذي يجعل الدبلوماسية تقف للحظة وتبحث عن جملة مناسبة لتغطية ما حدث، ثم لا تجد.
لأن الدبلوماسية العربية عمومًا، والسعودية خصوصًا، اعتادت على طريقة مختلفة في إدارة العلاقة مع واشنطن:
الكثير من المجاملات في العلن، والكثير من الحسابات في الخفاء، ثم بيان طويل في النهاية يطمئن الشعب الغبي أن الأمور تحت السيطرة حتى لو لم تكن كذلك.
لكن ترامب "المدب"، كما يعرفه العالم، ليس من مدرسة المجاملات الطويلة.
الرجل يتحدث كما لو أن السياسة صفقة عقارية طرف لسانه:
من يدفع أكثر يحصل على ابتسامة أكبر، ومن يعترض يصبح فجأة مشكلة يجب حلها باللي في رجله.
وهنا بدأت المشكلة.
ليس لأن ما قيل صادم فقط، بل لأن الصراحة جاءت فجأة "من الوجه للصورة"، ومن دون الغلاف الدبلوماسي المعتاد الذي يخفف وقع الكلام على الشعوب المضروبة على قفاها.
الحقيقة التي يعرفها الجميع—لكن قليلين يقولونها بصوت مرتفع—أن العلاقة مع الرؤساء الأمريكيين لم تكن يومًا علاقة ندّية كما تحب البيانات الرسمية أن تصورها.
كان هناك دائمًا قدر من الانحناء السياسي يُقدَّم على أنه حكمة، وتنازل يُباع للجمهور على أنه دهاء دبلوماسي.
لكن يا ترامب. حتى هذه اللعبة لها أصولها!
فالقيادة السعودية لم ترفض يومًا إرضاء رؤساء أمريكا، بما فيهم ذلك اللوبي الصهيوني الذي يمر غالبًا من بوابة واشنطن قبل أن يصل إلى أي قرار كبير. غير أن ما فعلته أنت مختلف قليلًا.
ما هكذا تُورد الإبل يا جني.
فقد تسببت بصراحتك هذه بجرح ملايين السعوديين الشرفاء، الذين اعتادوا أن تُدار هذه الأمور في الخفاء، أو على الأقل خلف ستار المجاملات السياسية الثقيلة.
أما أن تُقال الأمور بهذه الطريقة المباشرة، فذلك يشبه أن تكشف الستار فجأة عن مسرحية كان الجميع يتظاهر فيها بأن كل شيء طبيعي والأمور "سمبتك".
كان بإمكانك يا مدب "على الأقل" أن تفعل ما يفعله من سبقوك:
تبتسم لهم في العلن، تقول كلمات دبلوماسية مركبة تركيب محترم، ثم تترك الرسائل الحقيقية تُقال في الغرف المغلقة، وتحت البدروم. هكذا جرت العادة، وهكذا اعتاد عرب البادية أيضًا أن يبلعوا المرارة دون شوشرة.
لكن صراحتك هذه، يا ترامب، لم تترك لأحد فرصة التظاهر.
وضعت الحقيقة أمام الناس كما هي، بلا مكياج دبلوماسي، ولا بيانات إنشائية عن "العلاقات الاستراتيجية العميقة".
وهنا حدث ما يشبه الصدمة الجماعية:
البعض غضب، والبعض دافع، والبعض حاول تفسير ما لا يحتاج إلى تفسير أصلًا.
وفي النهاية، وجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط لكنه ثقيل:
هل المشكلة في كلام ترامب… أم في أننا اعتدنا سماع الحقيقة بطريقة ألطف؟
لأن الكرامة في السياسة—للأسف—لم تعد دائمًا خطًا أحمر، بل أصبحت أحيانًا مادة تفاوض، أو بندًا مؤجلًا في جدول المصالح.
ولهذا ربما قال بعض السعوديين في سرّهم، لا في العلن:
ما الذي دهاك يا ترامب؟
أقلها افعلها في الخفاء كما كان يفعلها من سبقوك.

فالصراحة الزائدة في السياسة ليست دائمًا شجاعة، وخاصة عندما يكتشف الناس أن الصدمة ليست في أن تلحس مؤخرة هذا الثور الهائج، بل في أن الحقيقة خرجت عن السيطرة.
أحيانًا تكون مجرد فضيحة دبلوماسية خرجت إلى الهواء مباشرة.
وفي النهاية، لا يسع المرء إلا أن يبتسم بسخرية ويقول:
الله المستعان يا ترامب…
فبعض الكلمات، حين تُقال علنًا، تجرح شعوبًا كاملة، حتى لو كانت تلك الكلمات مجرد حقيقة تعود العبيد على سماعها بصوت منخفض.
والله عيب عليك يا أصفر الملامح

علي سيقلي
الأحد 29 مارس 2026م
عدن الحبيبة