آخر تحديث :الخميس - 16 أبريل 2026 - 05:54 م

كتابات واقلام


تحسن الصرف لا يترجم إلى "خبز" على مائدة الفقراء "لعبة الصاروخ والريشة" لماذا ترفض الأسعار الهبوط مع تعافي الريال في جنوب البلاد؟

الخميس - 16 أبريل 2026 - الساعة 04:40 م

مروان الشاطري
بقلم: مروان الشاطري - ارشيف الكاتب




في الوقت الذي تصدح فيه البيانات الرسمية عن نجاحات محققة في كبح جماح الدولار وخفض قيمته أمام الريال اليمني، يقف المواطن في "عدن" والمحافظات المجاورة أمام رفوف المحال التجارية في حالة من الذهول. المعادلة التي يدرسها العالم في كتب الاقتصاد تقول: "إذا تعافت العملة، انخفضت التكاليف"، لكن في أسواقنا المحلية، تبدو القوانين الاقتصادية معطلة، أو ربما تعمل في اتجاه واحد فقط: إلى الأعلى.

ظاهرة "جمود الأسعار": الصعود صاروخي والهبوط ريشة
يصف الخبراء ما يحدث اليوم بظاهرة "الأسعار اللزجة" أو الجامدة (Sticky Prices). هي حالة اقتصادية مَرَضية تستجيب فيها السلع بلمح البصر لأي اهتزاز في قيمة الدولار، لتقفز الأسعار كـ "الصاروخ". ولكن، حين يتدخل البنك المركزي وتتحسن قيمة الريال، تتحول تلك الأسعار إلى "ريشة" تهبط ببطء شديد لا يكاد يشعر به المواطن المثقل بالأعباء.

هذا الجمود ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج "فجوة ثقة" عميقة بين التجار والسياسة النقدية. فالتاجر الذي يراقب تذبذبات السوق لا يثق باستدامة هذا التعافي، فيعمد إلى الاحتفاظ بأسعار مرتفعة كدرع وقائي أو "هامش أمان" يحميه من أي انهيار مفاجئ قد يلتهم رأس ماله.

الدورة المخزنية.. ذريعة أم واقع؟
يتحجج الكثير من كبار المستوردين بأن البضائع المتوفرة في المخازن حالياً تم شراؤها بـ "الدولار الغالي" حين كان الريال في أدنى مستوياته. هذا المنطق يضع السوق في حالة شلل؛ إذ يرفض التاجر البيع بالسعر الجديد لتجنب الخسارة، بينما يظل المواطن هو "الحلقة الأضعف" الذي ينتظر نفاذ المخزون القديم، وهو انتظار قد يطول في ظل ضعف الرقابة التموينية.
التضخم الركودي: عندما يجتمع الغلاء مع تعطل السير
ما يدعو للقلق هو اقتراب الاقتصاد من حالة "التضخم الركودي". نحن أمام مشهد معقد: أسعار الغذاء والدواء تواصل التحليق (تضخم)، وفي المقابل هناك تراجع حاد في القوة الشرائية، ركود في حركة البيع والشراء، وثبات مخيف في الأجور (ركود). هذه الثنائية القاتلة تعني أن تحسن سعر الصرف "ورقياً" في محلات الصرافة لا يترجم إلى "خبز" على مائدة الفقراء.

انفصال السوق عن الواقع الرسمي
الحكومة تحاول ضبط سعر الصرف، لكنها تغفل أحياناً عن "التكاليف الخفية" التي تنهش جسد الاقتصاد. فالتسعيرة لا تعتمد فقط على الدولار، بل هناك:
1. تكاليف النقل والخدمات اللوجستية: ارتفاع تأمين السفن والجبايات على الطرقات.
2. أزمة السيولة الأجنبية: صعوبة الحصول على النقد الأجنبي بالسعر الرسمي من البنوك، مما يدفع المستوردين للسوق السوداء.
3. غياب الرقابة: تحول السوق إلى ما يشبه "إقطاعيات" يتحكم فيها قلة من كبار المستوردين، مما يعزز سياسة الاحتكار.
وفي الختام فإننا بحاجة إلى ما هو أبعد من "المزاد النقدى"
وإن خفض قيمة الدولار خطوة هامة، لكنها تظل منقوصة ما لم تتبعها "قبضة حديدية" في الرقابة على الأسواق، وإجراءات حقيقية لتقليل تكاليف الاستيراد والنقل. إن الاستمرار في سياسة "الجمود" سيؤدي إلى تعميق الفجوة بين الحكومة والشارع؛ فالمواطن لا يهمه كم بلغ سعر الصرف في الشاشات، بقدر ما يهمه كم سيبقى في جيبه بعد شراء كيس الدقيق وعلبة الدواء.