آخر تحديث :الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - 09:46 م

كتابات واقلام


الإعلام والقضية الجنوبية… عندما يتحول السؤال إلى اختبار وعي

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - الساعة 08:21 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


علي محمد سيقلي
في قاعة نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين، لم تكن الفعالية التي استضافت الأستاذ عبدالرحمن سعيد فارع مجرد محاضرة عابرة تُضاف إلى أرشيف الأنشطة، بل بدت كوقفة مراجعة حقيقية أمام مرآة الإعلام الجنوبي، وهو يتأمل نفسه في لحظة مزدحمة بالأسئلة أكثر من الإجابات.
منذ الكلمة الافتتاحية لنقيب الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين عيدروس باحشوان، التي رحّب فيها بالضيف والحضور، بدا واضحًا أن النقاش لن يذهب نحو المجاملات، بل نحو مناطق أكثر حساسية، حيث تتقاطع المهنة مع السياسة، وتتصادم السرديات مع الواقع.
عبدالرحمن فارع لم يتحدث كأكاديمي يشرح نظريات معزولة، بل كمتابع يقرأ المشهد من داخله. بدأ من نقطة جوهرية: الإعلام لم يعد مجرد ناقل للحدث، بل صار شريكًا في صناعته، بل وفي تحديد ما الذي يُعد “حدثًا” من الأساس. وهنا، لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟ بل: ماذا نُظهر أنه يحدث؟
في سياق القضية الوطنية الجنوبية، اكتسب هذا الطرح بعدًا أكثر تعقيدًا. فالإعلام، كما أوضح، لا يعمل في فراغ، بل داخل بيئة تتشابك فيها السياسة بالتاريخ، والإقليمي بالمحلي، وتتعدد فيها الأصوات إلى حد التنازع. وهنا تظهر الإشكالية: هل نحن أمام إعلام يخدم القضية… أم إعلام يوظفها؟
بين هذين الحدين، رسم فارع خطًا دقيقًا. فالإعلام الذي يخدم القضية يسعى إلى بناء فهم متوازن، يشتغل على التحليل والتفسير، بينما الإعلام الذي يوظفها ينزلق نحو التهييج، ويغرق في خطاب التصعيد والخلاف، حتى يصبح جزءًا من المشكلة بدل أن يكون أداة لفهمها.
ولعل أكثر ما لفت الانتباه، هو حديثه عن “المقاربات” بوصفها مدخلًا لفهم الإعلام، لا مجرد زوايا نظر، بل أطر تحليل تحدد كيف نرى القضية، وبأي أدوات نفسرها. فالقضية ليست فقط ما نراه، بل كيف نختار أن نراها.
وعند الانتقال إلى الجانب القانوني، وضع فارع النقاط على حروف كثيرًا ما تُتجاهل: حرية الإعلام ليست مطلقة. فهي، في السياقات المتوترة، محكومة بضوابط تمنع تحولها إلى أداة تحريض أو تفكيك اجتماعي. ليست هذه دعوة للتقييد، بقدر ما هي تذكير بأن الحرية دون مسؤولية قد تتحول إلى خطر.
وفي قراءة سياسية أعمق، أشار إلى واحدة من أبرز أزمات الإعلام الجنوبي اليوم: فقدان الاستقلالية. إذ يتحول في كثير من الأحيان إلى امتداد للفاعلين السياسيين، يعكس مواقفهم بدل أن يفتح مساحة للنقاش العام. وهنا لا يعود الإعلام مراقبًا للصراع، بل يصبح طرفًا فيه.
استدعى فارع تجارب دولية ليؤكد أن هذا المصير ليس حتميًا. ففي حين قاد الإعلام في بعض النماذج إلى تعميق الانقسام، كما في الحالة الليبية، نجح في تجارب أخرى، مثل جنوب أفريقيا، في دعم مسارات المصالحة، حين اختار أن يكون جزءًا من الحل لا الوقود الذي يغذي الأزمة.
لكن النقد لم يتوقف عند الإعلام فقط، بل امتد إلى أداء المجلس الانتقالي الجنوبي، خاصة في علاقته بالمجتمع الدولي. حيث وصف هذا الحضور بأنه ظل، إلى حد كبير، فرديًا لا مؤسسيًا، قائمًا على علاقات شخصية أكثر من كونه تعبيرًا عن رؤية متكاملة. وهو ما انعكس، بطبيعة الحال، على محدودية التأثير، وعجز الخطاب عن تجاوز الإطار المحلي نحو فضاء إقليمي ودولي أوسع.
واحدة من أكثر العبارات صراحة في المحاضرة كانت توصيف الإعلام الجنوبي بأنه “يتحدث إلى نفسه”، في إشارة إلى غيابه عن مخاطبة الخارج بلغة مفهومة دوليًا، سواء من حيث السرديات أو الأدوات أو حتى لغة الأرقام.
في ختام الفعالية، ومع فتح باب النقاش، بدت القاعة وكأنها تواصل ما بدأه المتحدث: أسئلة تتوالد من أسئلة، ومداخلات تحاول الإمساك بطرف الخيط في مشهد إعلامي معقد.
خرجتُ من هذه الفعالية بانطباع واضح: أن معركة الإعلام الجنوبي اليوم ليست مع الآخر فقط، بل مع نفسه أيضًا. بين أن يظل أسير خطاب يكرر ذاته، أو أن يتحول إلى منصة وعي قادرة على إعادة تعريف القضية، لا فقط إعادة سردها.
وهنا، لا يبدو الخيار ترفًا… بل ضرورة.