عدن – الثلاثاء 28 أبريل 2025
نظّمت نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين، اليوم، فعالية فكرية بعنوان “الإعلام في سياق القضية الوطنية الجنوبية: بين تمثيل الواقع وإدارة الصراع”، استضافت خلالها الأمين العام للمبادرة الدبلوماسية الموازية للعملية السياسية، الأستاذ عبدالرحمن سعيد فارع، بحضور نخبة من الصحفيين والإعلاميين والأكاديميين وطلبة كلية الإعلام.
وافتتح الفعالية نقيب الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين، عيدروس باحشوان، بكلمة ترحيبية بالضيف والحضور، مؤكدًا أهمية مثل هذه اللقاءات في تعزيز النقاش المهني حول دور الإعلام في ظل التحولات السياسية التي تشهدها القضية الجنوبية.
وفي مستهل محاضرته، أشار فارع إلى أن النقاش حول الإعلام لم يعد محصورًا في إطار أكاديمي تقليدي، بل بات يرتبط بسياقات أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل القضايا الوطنية الحساسة، وفي مقدمتها قضية شعب الجنوب. وأوضح أن الإعلام اليوم يشكّل أحد أبرز حقول “الاتصال السياسي”، باعتباره فاعلًا رئيسيًا في تشكيل الوعي وإنتاج المعنى السياسي، وليس مجرد ناقل للأحداث.
وأكد أن العلاقة بين الإعلام والقضايا الوطنية تُعد من أكثر العلاقات تركيبًا، خصوصًا في البيئات التي تشهد نزاعات وتحولات عميقة، حيث يسهم الإعلام في إعادة تشكيل الوعي المجتمعي، بل والتأثير المباشر في مسارات القضايا السياسية. ولفت إلى أن تناول القضية الجنوبية إعلاميًا لا ينعكس فقط على كيفية فهمها، بل على مستوى حضورها في الوعي العام.
وتطرق فارع إلى مفهوم “المقاربات” في تحليل الإعلام، موضحًا أنها تتجاوز مجرد الزوايا التقليدية للنظر، لتشمل أطرًا أوسع تجمع بين البعد السياسي والقانوني والتاريخي. كما شدد على أن الإعلام، وفق النظريات الحديثة، لا يكتفي بوصف الواقع، بل يشارك في “صناعته” عبر تحديد أولويات القضايا المطروحة أمام الجمهور.
وفي السياق القانوني، بيّن أن حرية الإعلام مكفولة دوليًا، لكنها ليست مطلقة، إذ تخضع لضوابط تمنع التحريض على الكراهية أو العنف، خاصة في المجتمعات المنقسمة، مشيرًا إلى تجارب دولية أظهرت مخاطر الانفلات الإعلامي، وأهمية التوازن بين الحرية والمسؤولية.
وعند إسقاط هذه المفاهيم على الحالة الجنوبية، أوضح فارع أن الإعلام يلعب دورًا مزدوجًا، إذ يسهم من جهة في إبراز القضية وتعزيز حضورها، لكنه من جهة أخرى قد يتحول إلى أداة لتوظيفها ضمن أجندات فئوية، ما يؤدي إلى إضعافها. وأشار إلى أن تعدد الخطابات الإعلامية المرتبطة بالمكونات السياسية أسهم في تعميق حالة الاستقطاب، بدل بناء فهم متوازن للقضية.
كما انتقد غياب “الإعلام العمومي” بالمعنى التفاعلي، معتبرًا أن الإعلام الجنوبي ما يزال أقرب إلى النمط الرسمي التقليدي أو الإعلام الحزبي، في حين يتطلب واقع القضية خطابًا منفتحًا يعكس هموم المجتمع ويعزز النقاش العام.
وفي تحليله السياسي، لفت إلى أن الإعلام في البيئات المنقسمة غالبًا ما يفقد استقلاليته، ويتحول إلى امتداد للفاعلين السياسيين، ما يجعله جزءًا من الصراع بدل أن يكون أداة لفهمه. واستشهد بتجارب إقليمية ودولية، موضحًا أن الإعلام يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا في دعم المصالحة، إذا تبنى خطابًا مهنيًا مسؤولًا.
وأكد فارع أن التحدي الحقيقي أمام الإعلام الجنوبي يتمثل في بناء خطاب يرتقي إلى مستوى القضية، قائم على الدقة المهنية والوعي القانوني والمسؤولية السياسية، بعيدًا عن التهييج والتبسيط المخل.
كما شدد على أهمية دور الطلبة والباحثين في تطوير العمل الإعلامي مستقبلًا، من خلال تبني مقاربات نقدية تسهم في فهم الظواهر وتحليلها، بدل الاكتفاء بوصفها.
واختتمت الفعالية بفتح باب النقاش، حيث شهدت مداخلات من الحاضرين، من صحفيين وإعلاميين وأكاديميين، تناولت مختلف القضايا المطروحة، في أجواء حوارية عكست أهمية تعزيز النقاش المهني حول دور الإعلام في المرحلة الراهنة.




