آخر تحديث :الأربعاء - 29 أبريل 2026 - 01:48 ص

كتابات واقلام


في ذكرى 27 أبريل: دروس الماضي واستحقاقات الحاضر

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 12:39 ص

د. علي صالح الخلاقي
بقلم: د. علي صالح الخلاقي - ارشيف الكاتب



د.علي صالح الخلاقي

سيظل يوم السابع والعشرين من أبريل علامة فارقة في ذاكرة شعبنا الجنوبي، إذ ارتبط بإعلان الحرب على جنوبنا الحبيب عام 1994م، تلك الحرب التي أنهت فعلياً مشروع الوحدة السلمية، وحوّلتها من شراكة مأمولة إلى واقعٍ مفروض بقوة السلاح. لقد مثّل ذلك اليوم لحظة انكسار كبرى، حين داست الحرب على ما كان يُنظر إليه كقيمة وطنية سامية، لتنتهي الوحدة – بصيغتها التي أُعلنت – إلى واقعٍ لا حضور له اليوم في وجدان الناس ولا في معطيات الأرض.
لقد كان الجنوبيون، بشهادة الواقع، الأكثر اندفاعاً نحو تحقيق الوحدة، وقدموا في سبيلها دولتهم ونظامهم، إيماناً منهم بحلمٍ وطني جامع. غير أن تلك الوحدة، التي افتقرت إلى التدرج والتخطيط العميق، سرعان ما انحرفت عن مسارها، لتتحول إلى شكل من أشكال الضم والإلحاق، في ظل ممارسات قوى النفوذ التي هيمنت على القرار، وأفرغت الشراكة من مضمونها.
ومع ذلك، لم يستسلم شعب الجنوب لهذه التحولات، بل واجهها بصبرٍ وإصرار، وعبّر عن موقفه عبر مسارٍ نضالي طويل، اتخذ في مراحله الأبرز طابعاً سلمياً حضارياً، استطاع أن يلفت أنظار العالم، ويؤسس لمرحلة جديدة من الوعي السياسي، وإعادة صياغة القضية الجنوبية كقضية شعب يسعى لاستعادة دولته وهويته.
إن هذه الذكرى ليست فقط مناسبة لاستحضار الألم، بل هي أيضاً محطة للتأمل واستخلاص الدروس. وفي مقدمة هذه الدروس، أهمية وحدة الصف الجنوبي، والالتفاف حول قضيته الجامعة التي تمثل إرادة الناس وتطلعاتهم. لقد قدّم شعب الجنوب، عبر عقود من الزمن، تضحيات جساماً من الشهداء والجرحى، وتحمّل معاناة كبيرة، دفاعاً عن حقه في تقرير مصيره واستعادة دولته، وهو حق تكفله الشرائع والقوانين الدولية.
ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تتطلب وعياً عميقاً بحجم المسؤولية، وضرورة التكاتف بين أبناء الجنوب، بعيداً عن التشتت والانقسامات، والعمل على إدارة الأرض التي أصبحت بيد أبنائها بروح الدولة، وبما يحقق تطلعات الشعب في بناء كيان قائم على النظام والقانون، والعدالة والمواطنة المتساوية.
كما أن من المهم التأكيد على أن تطلعات شعب الجنوب لا تقوم على العداء أو القطيعة مع محيطه، بل على العكس، فإن الجنوب يتطلع إلى علاقات أخوية متوازنة مع جيرانه من الأشقاء، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأن يكون جزءاً فاعلاً في محيطه الإقليمي في الجزيرة العربية والخليج، يسهم في استقراره وتعاونه.
وفي هذه الذكرى، نجدد العهد مع تضحيات الشهداء، ونؤكد الوفاء لقضيتهم، والتمسك بحق شعبنا في اختيار مستقبله، عبر الوسائل السلمية المشروعة، وبما يحقق له الأمن والاستقرار والكرامة.
إن 27 أبريل، رغم قسوته، يظل درساً مفتوحاً… يذكّرنا بأن الحقوق لا تُصان إلا بوحدة أصحابها، وأن المستقبل يُبنى بالإرادة الواعية، والعمل المشترك، والإيمان العميق بعدالة القضية.