آخر تحديث :الأربعاء - 06 مايو 2026 - 07:35 م

كتابات واقلام


التوظيف السياسي للقبيلة: اعتراف صريح بضياع الأهلية القيادية

الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 06:16 م

حافظ الشجيفي
بقلم: حافظ الشجيفي - ارشيف الكاتب


من آيات العجز السياسي، ومن شواهد القصور في ملكة القيادة، أن يستحيل رجل الدولة إلى رجل قبيلة، وأن يرتد القائد العسكري من رتبة الانضباط المؤسسي إلى رتبة التبعية العشائرية، فما رأينا في تاريخ الأمم من استنصر بالعصبية العمياء في حومة السياسة إلا كان كمن يطلب النور من سواد الفحم، أو كمن يظن أن بناء الأوطان يصح أن يقوم على ركائز الهدم والارتداد.
فالسياسة في جوهرها وفلسفتها كينونة مدنية، وقيم حضارية تتسع باتساع المصلحة العامة، وتسمو فوق ترهات الأنساب ووشائج القربى، فإذا ما رأيت كبيرا من كبار القوم في الجنوب، أو مسؤولا تقلد أمانة الناس، أو قائدا عسكريا وجب عليه أن يكون درعا للوطن قاطبة، قد نكص على عقبيه واستدعى النكف القبلي واستنفر العشيرة ليحتمي بظلها، أو ليفرض إرادته عبر حشودها، فاعلم يقينا أنك أمام شخصية قزمة سقطت عنها مهابة المنصب، وتعرى فيها جوهر العجز، ذلك أن الوطني الحقيقي هو من يستمد شرعيته من عدالة قضيته ونفاذ بصيرته وقوة المؤسسة التي يمثلها، لا من عدد الرؤوس التي يجمعها تحت راية القبيلة المظلمة.
وهؤلاء الذين يحشرون القبيلة في مضائق السياسة، ويدفعون بها في أتون المعارك الوطنية، يرتكبون جناية تاريخية في حق السياسة وفي حق القبيلة معا، فالقبيلة في أصلها نظام اجتماعي تقليدي له حدود وقيود، والسياسة علم وفن وإدارة لا تعترف إلا بالكفاءة والمواطنة المتساوية، فكيف يستقيم في منطق العقل أن يلوذ القائد العسكري بظهير قبلي ليواجه خصما سياسيا أو ليبرر إخفاقا وطنيا،.. أليست هذه هي الرجعية في أقبح صورها، وأليس هذا هو الإقرار الصريح بضياع الأهلية والجدارة،فالقائد الذي يتمترس خلف قبيلته يضع نفسه في حجم شيخ القبيلة لا أكثر، ويختزل الوطن العريض في حدود قرية أو وادي، ويبرهن للعالم أجمع أنه قاصر عن بلوغ مرتبة رجل الدولة الذي يؤمن بأن المؤسسة هي الملاذ، وأن القانون هو الفيصل، وان الرأي هو المحك وأن الجماهير هي الحاضنة، لا العصبة التي ترفع السلاح لغرض ضيق أو انتصار واهم.
اذ يستحيل على أي سياسي فذ أن يخلط بين الأدوار، فالمعارك الوطنية تدار بأدوات وطنية، والنزاعات السياسية تحل بالرؤى والبرامج، أما إقحام القبيلة في هذه المسارات فهو اعتراف ببدائية التفكير، وهروب من استحقاقات النضج السياسي، فكيف يمنح لقب قائد لمن لا يستطيع حماية موقفه إلا بأفراد قبيلته، وكيف يوصف بالمسؤول من يترك شؤون العامة ليديرها بمنطق الثأر أو النكف أو النخوة القبلية التي تجاوزها الزمن في بناء الدول الحديثة، فالتناقض الصارخ بين العقيدة العسكرية والمبادئ المدنية من جهة، وبين التقاليد القبلية الرجعية من جهة أخرى، يجعل من الجمع بينهما ضربا من المحال، فمن اختار القبيلة فقد اختار الحيز الضيق والولاء المحدود، ومن أراد الوطن فليخلع عنه ثوب العشيرة عند عتبة المؤسسة.
فالفلسفة السياسية الرصينة لا تقبل هذا الهوان، والواقعية الصارمة تكشف أن كل من استقوى بقبيلته في قضايا لا علاقة لها بالقبيلة إنما هو رجل فاقد للوزن، مسلوب الإرادة، يقتات على إرث بائد ليسد به ثغرات فشله الذريع، فالعمل الوطني له أدواته التي لا تشبه أدوات القبيلة، وله غاياته التي لا تدرك بأساليب المشيخة، ومن ظن أن القبيلة يمكن أن تحسم مسألة وطنية كبرى، أو توفر حصانة لقائد متخاذل، فهو واهم يجهل سنن التاريخ، إذ تظل الدولة هي الكيان الأسمى الذي يذوب فيه الجميع، ويظل القائد الحقيقي هو من يقود أمة لا من يسوق قبيلة، وما دون ذلك فهو عبث لا يستحق صاحبه ذرة من احترام أو جدارة بتمثيل شعب يطمح للحرية والمدنية والعدل.