آخر تحديث :الأربعاء - 06 مايو 2026 - 07:43 م

كتابات واقلام


الجنوب: من تعريف هويته العربية إلى تجسيدها في مشروعه التحرري

الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 06:54 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


لم تكن الهوية وإعادة تعريفها شعارًا يرفع ويقال، بل إقرار وترسيخ مفهومية وتثبت انتماء بأنَّ المعركة التي يخوضها شعب الجنوب في نضالاته منذ ثلاثة عقود ما هي إلا معركة وعي وتعريف هوية واستعادة دولة على وفقها مفاهيمها ويجب تعريف الذات الجنوبية في مواجهة محوها. فحين أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي، إحياء تسمية الجنوب العربي، لم يمارس ترميمًا لفظيًّا لماضٍ متقادم، بل مارَسَ قطيعةً وجوديةً مع "اليمننة" القاتلة للأرض والإنسان والوجدان والتاريخ والثروة التي ابتلعت الجنوب وأصبح إعادة تأصيل الهوية من بوابتها العربية الأصيلة، بوابة التاريخ والجغرافيا والدم مسألة نضالية صلبة وتجسدًا واعيًا لهوية مشروع سياسي يعلن القطيعة مع الماضي والوحدة والاحتلال.

ومن هنا فعروبة الجنوب ليست طارئة، ولا هي نخبوية مستوردة، بل هي هويةٌ تأسيسيةٌ ضاربةٌ في جذور المكان. وفي ذاكرة التاريخ وفي وجدان الكينونة الجنوبية فقبل أن تُبتلى خارطة الجنوب بأيديولوجيا "اليمننة"، كان الجنوب العربي في اتحاداته كيانًا سياسيًّا يعكس امتدادًا عربيًّا لا يمنيًّا، وكانت عدن تُدعى عين العرب، لا هامش اليمن وتجسدت هذه العروبة في دينار الجنوب العربي، وعلمه، ومشاركاته الدولية، قبل أن تطويها رياح الأيديولوجيا الصاعدة في الستينيات، وتستبدل بها اليمننة التي اختزلت معنى الوطن/الجنوب في شعارات أممية أثبتت هشاشتها وأصبح إعادة تعريفها عبر بوّابة العروبة ضرورة سياسية وثقافية واجتماعية وطنية ونضالية لتجسد الحقيقة التي جرى تغييبها قسرًا، واستعادةٌ لطبقة جيولوجية عميقة من الوجود طمستها ترسبات الماضي السياسي وآثاره التي أصبح الجنوب إلى اليوم لا يستطيع تجاوزها إلا بإرادة شعبية ومشروع سياسي يمثله الشعب.

لقد شكّلت "اليمننة" بوصفها مشروعًا أيديولوجيًّا وسياسيًّا أكبر مأساةٍ حلّت بالجنوب أرضًا وشعبًا وثروةً ونسيجًا اجتماعيًّا. وطمسًا للتاريخ وقتلًا للذاكرة حتى جاءت الوحدة بين الشعبين في الجنوب واليمن فشكلت إلغاءً ممنهجًا للخصوصية، وتذويبًا للهوية في بوتقة المركز، وتحويلًا للجنوب من وطنٍ عربي ذي سيادة إلى مجرد عمقٍ جغرافيٍّ يُستنزف بحروب الأيديولوجيا والهيمنة المقدسة. وما إن حلّت الوحدة عام 1990 حتى تكشّف الوجه الآخر لليمننة: حرب 1994، نهب الأرض، تفكيك الجيش الجنوبي، إقصاء الكفاءات، إفقار الشعب، وتشويه الذاكرة. وجاءت حرب2015 فشكلت النهج نفسه والتوجهات ذاتها حتى أصبحت الوحدة قدرًا مأساويًّا، لا قدرًا وطنيًّا. وفي هذا السياق، فإن إعلان الهوية العربية للجنوب ليس تحليلًا سياسيًّا فحسب، بل هو اعترافٌ بالجريمة التاريخية التي لحقت به، وقطيعةٌ نهائية مع تركةِ ماضٍ سياسيٍّ حوّل الوطن/ الجنوب إلى فضاءٍ وجغرافيا للاقتتال والتناحر، واغتيال الحلم والهوية والدولة قبل الإنسان وكرامته وذاكرته الوطنية.

إن عبقرية المجلس الانتقالي لا تكمن فقط في صياغة الإعلان الدستوري لاستعادة دولة الجنوب العربي، بل في إدراكه أنَّ المعركة معركة تعريفٍ قبل أن تكون معركة بناء مؤسسات وتحديد مسارات النضال الضامنة لاستعادة دولته العربية الفيدرالية المستقلة. وهو يدرك أنه لا دولة بلا هوية واضحة، ولا سيادة من دون إجابةٍ حاسمةٍ عن سؤال: مَن نحن؟ إن اختيار تسمية "الجنوب العربي" لم يأتِ عفوًا، بل هو اختيارٌ إبداعيٌّ ومبدئيٌّ في آن: فهو يربط حاضر النضال بجذوره الماقبل-يمنية، ويُسقط شرعية المركز الذي ظلّ يرى الجنوب تابعًا لا ندًّا. وبهذا الخيار، يُخرج المجلس الانتقالي الهويةَ من متاهات الإنكار، ويجعلها ضامنًا للدولة الجنوبية العربية كاملة السيادة، دولةً لا تقبل المساومة على حدودها المعترف بها دوليًّا، ولا تُجامل في تعريفها الذاتي.

في الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الرئيس عيدروس الزُبيدي في يناير الماضي، تبلورت الهوية العربية للجنوب خارطةَ طريقٍ نحو الدولة الجنوبية الفيدرالية كاملة السيادة، لا شعارًا عاطفيًّا. فحسم الهوية هو حجر الزاوية في صرح النضال، وهو الذي يمنح مشروع التحرر وضوحَه وأخلاقياته ويضع الجنوب الذي يقاتل اليوم من أجل استعادة وجوده، لا يقاتل فقط ضد احتلال أو هيمنة، بل يقاتل أيضًا من أجل تصحيح وعي الذات، واستشراف مستقبل لا يتكرر فيه الماضي الأليم. وتغدو معه الهوية العربية للجنوب هي الضمانة الأكيدة لقطع الطريق على مشاريع الامتصاص والإلحاق، وطرد أشباح الحروب الأهلية التي غذّتها سياسات الإقصاء والتهميش تحت أفكار المركز والتابع وضم الفرع إلى الأصل والحاق الهامش بجوهر السيادة (اليمن).

إن استعادة تسمية الجنوب العربي ليست مجرد استعادة لذاكرة كيان قديم، بل هي مصالحة جريئة مع الجغرافيا والتاريخ معًا. فالجنوب ليس امتدادًا لشمال، وليس هامشًا لمركز، بل هو قلبٌ عربيٌّ له سيادته وهذه المصالحة تتجاوز العقبات التي راكمتها عقود من "اليمننة" كتاريخٍ سياسيٍ رسّب في الوعي أوهام الوحدة والمصير المشترك، وجعل منها قدرًا، لتضع في المقابل هويةً جامعةً تستوعب كل أبناء الجنوب، على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم، في ظل دولة مدنية ديمقراطية اتحادية فيدرالية من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا ويصبح تجسد الهوية العربية للجنوب انتصار للحقيقة الجغرافية على الأيديولوجيا، وانتصار للتاريخ الحقيقي على التاريخ الممدون من طرف المحتل والمغتصب.

ومن هنا أصبحت في وجدان كل جنوبيٍّ حرّ، لم تعد الجنوب العربي كلمةً تُقال، بل صارت وطنًا يُنشد، وهويةً تُمارس، وكفاحًا يُعاش ويتجدد ويترسخ. والمجلس الانتقالي الجنوبي، بإحيائه هذه الهوية، لم يختر جملاً، بل اختار مصيرًا وجوديًّا،اختار أن يكون الجنوب عربيًّا، مستقلاً، سيدًا، لا تابعًا ولا ذائبًا ولا منسيًّا. وفي هذا الاختيار تكمن بذرة دولة الجنوب العربي الفيدرالية، وتكمن قوة النضال، وتكمن الإجابة عن سؤالٍ طالما عذّب الجنوبيين: مَن نحن؟

فلنَعِدْ إذن، من بوابة الهوية العربية، إلى وطنٍ لم يمت، بل كان ينتظر لحظة التعريف الصادقة. ولنُمسك بخارطة الإعلان الدستوري، خارطة طريقٍ نحو دولة الجنوب العربي الفيدرالية ذات السيادة الكاملة، دولة النسيج الواحد والمصير الواحد، فالجنوب العربي ليس حنينًا إلى ماضٍ، بل هو استشرافٌ لمستقبلٍ لا مكان فيه لليمننة والمآسي والاحتلال المركب، بل للكرامة والحرية والانتماء للوطن والجغرافيا والتاريخ، انتصارًا لدم الشهداء والجرحى وأنين الثكالى.