آخر تحديث :الأربعاء - 06 مايو 2026 - 08:17 م

كتابات واقلام


الجنوب العربي : كيان سياسي مستقل خارج سردية “الوحدة اليمنية

الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 07:23 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


ليست “اليمننة السياسية” في هذا السياق مجرد توصيف عابر، بل هي مشروع إعادة تشكيل قسري للهوية السياسية، جرى فيه إدماج الجنوب العربي في إطار دولة لم تتبلور فيها الشراكة على أساس الندية، بل على أساس الهيمنة التدريجية لمركز سياسي واحد.

إن الجنوب العربي، ليس تفصيلاً جغرافياً داخل دولة أكبر، بل كيان تاريخي وسياسي سبق تجربة الوحدة، وامتلك في مرحلة ما قبل 1990 بنية دولة وهوية سياسية ومؤسسات حكم خاصة به. ومن ثم، فإن اختزاله داخل سردية “اليمن الموحد” يُعد، من وجهة النظر هذه، إعادة إنتاج لخطاب سياسي يتجاوز الوقائع التاريخية لصالح تصور وحدوي لم ينجح في اختبار الدولة الحديثة.
لقد جاءت الوحدة في لحظة سياسية معقدة، لكنها لم تُبنَ على عقد شراكة متكافئ، بل تحولت سريعاً إلى حالة من إعادة المركزية، أضعفت التعدد السياسي، وأفرغت التوازن المفترض بين الكيانين من مضمونه. ومع تراكم الأزمات، لم تعد “الوحدة” إطاراً جامعاً بقدر ما أصبحت عنواناً لإشكال سياسي مفتوح، لم ينجح في إنتاج دولة مستقرة أو مواطنة متساوية.
من هنا، لا يُنظر إلى استمرار فرض الهوية اليمنية الجامعة بوصفه حقيقة تاريخية بديهية، بل بوصفه امتداداً لسردية سياسية واحدة، تجاهلت – أو همّشت – خصوصية الجنوب العربي وتجربته التاريخية. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن الجنوب ككيان مستقل ليس مجرد موقف عاطفي أو نزعة انفصالية طارئة، بل إعادة طرح لسؤال الدولة نفسه: من يملك تعريف الهوية السياسية؟ ومن يحدد شكل العقد الاجتماعي؟

إن الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة حدود فقط، بل أزمة تعريف: تعريف الدولة، وتعريف الشراكة، وتعريف معنى المواطنة. ولذلك فإن الإصرار على إعادة إنتاج نموذج الوحدة كما كان، دون مراجعة جذرية لبنيته، يُنظر إليه كاستمرار في إدارة أزمة، لا كحل لها.
وعليه، فإن هذا الطرح يرى أن الاعتراف بالجنوب العربي ككيان سياسي مستقل ليس خروجاً عن التاريخ، بل محاولة لإعادة قراءته بعيداً عن الهيمنة التأويلية لسردية واحدة. فالدول، في نهاية المطاف، لا تُقاس بقدرة الخطاب على فرض وحدتها، بل بقدرتها على إنتاج استقرارها وعدالتها واستمراريتها.

وإذا كانت التجربة قد أثبتت أن النموذج السابق للوحدة لم ينجح في تحقيق هذه الأهداف، فإن إعادة التفكير في شكل العلاقة بين الكيانات السياسية لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة يفرضها الواقع قبل أن يفرضها الخطاب.

الصحفي صالح حقروص
2026/5/6م