آخر تحديث :الخميس - 14 مايو 2026 - 02:45 م

كتابات واقلام


أغرقوا عدن بالظلام لأنها جدّدت التفويض

الخميس - 14 مايو 2026 - الساعة 02:06 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


في ليل عدنَ الحالك، لا يغيب عن البصيرة سؤالٌ يلسع كالجمر: لماذا يُطفأ نور المدينة كلّما أشرقت فيها شمس الإرادة؟ لماذا تُعاقب المدينة التي لم تألف إلا المقاومة بصنوفٍ من التنكيل، وكأن صمودها الأسطوري بات تُهمةً تستوجب العقاب الجماعي؟

عدن.. عاصمة السلام في دفاتر العلن، وجوهرة البحر في قصائد الشعراء. أما في ميزان من يتربصون بها، فإنها خنجرٌ في الخاصرة؛ لأنها ببساطة امتلكت سرّ البقاء: إرادةً لا تنكسر، وإصرارًا لا يعرف المهادنة. فالجنوب شعبٌ عظيم، يملك من الوعي ما يُذهل، ومن الخبرة بكل أساليب الاحتلال وألاعيب الوصاية ما يُبهر. لقد حفظ شعب الجنوب الدرس جيدًا، وتيقّن أن التفويض ليس مجرد بطاقةٍ تُلقى في صندوق، بل هو ميثاق كفاح، وسيوف ثقةٍ تُسلّ في وجه العاصفة. وحين خرج ذلك الجمع الجنوبي الأبيّ ليجدّد العهد للرئيس عيدروس الزبيدي في الرابع من مايو، لم يكن يحتفل بانتصار آنيّ، بل كان يُشهر في وجه العتمة وثيقةً تقول: "نحن هنا، نحن من نقرر، نحن من يجعل لهذا العبث حدّ".

وحده الرهان الخاسر يقف خلف محاولة إخضاع شعبٍ بالجوع والعطش والحرمان. حسبتم أن أزيز المولدات سيغرق هدير الإرادة، وأن لهيب الجوع سيحرق سجلات التفويض، وأن الظلام سيُطفئ جذوة الحرية في القلوب. واهمون! أفي عدن التي استعصمت بالجبل حين تخلّى العالم، تُكسّر العزيمة بفاتورة كهرباء أو شحّة ماء؟ لقد قالها جنرالات المحتل قبلكم: إن "عدن تعود إلى حدائقها ومتنزهاتها"، مثلما قلتم، فإذا بالمتنزهات تغدو ظلالًا من العتمة، والحدائق مقابرَ للأمل تحت وطأة القيظ. كذبةٌ تلو كذبة، ووصايةٌ تلو وصاية، تُمرّر في الخفاء خناجر الإذلال.

لقد أدركت عدن اللعبة من بداياتها، وعرفت أن من يجعل القوت مقابل الوطن، والراتب مقابل الحلم، لا يؤمن بشيءٍ سوى موت الضمير. ولكنكم نسيتم، أو تناسيتم، أن للجوع في عدن صوتًا، وللعطش أغنيةً ثورية، وللظلام هتافًا مدويًا. فمن يجعل الخدمة سيفًا لكبح الحرية، فلا يَلُمْ إلا نفسه حين يفيق على زئير الموج. إن الخروج القادم لن يكون طلبًا للماء أو الخبز وحده، بل سيكون زلزالًا يُسقط كل معادلات الإذلال، حين يقرر الشعب أن يُرحّل من جعل الحياة رهينةً للحلم. صوت الشعب ليس مجرد صدى، إنه الحقيقة حين تتجرد من كل الأقنعة، وهو الطوفان حين يفيض على كل سدود الوصاية.

لقد أغرقتكم أحلامكم في مستنقع الانتقام، فأغرقتم عدن بالظلام انتقامًا، ظانّين أنكم تخمدون جمرة الإرادة، لا لشيء إلا أنها قالت: عاهدنا، فوّضناك يا أبا القاسم. وما علمتم أنكم إنما كنتم تدفنون شمسًا تحت الرماد، سرعان ما تحرق أصابعكم العابثة، لتُشرق من جديد في عيون أطفالٍ تعلّموا أن الليل، مهما طال، لا بد أن تثقبه شرارة الفجر الجنوبي.

يا من لعبتم بقوت الشعب وزوّرتم انتصاراته شرعيةً للهاربين: إن الشعب الذي فوّض قيادته لمواصلة المشوار، هو ذاته من سيُعلّمكم كيف يكون الوفاء للوطن، لا بالكهرباء، بل بالعزيمة التي لا تعرف الظلام، والجوعِ الذي لا يأكل سوى كرامة الخونة، والعطشِ الذي لا يرويه سوى نصرٍ قريب.

عدن.. حضرموت.. حين تقول إرادتهما الفعل، يكون الرحيل هو المبتغى.