آخر تحديث :الجمعة - 05 يونيو 2026 - 06:44 م

كتابات واقلام


بين دماء الأبناء ودفاتر المصالح

الجمعة - 05 يونيو 2026 - الساعة 06:33 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


علي محمد سيقلي

حين تضيق الرؤية، تتحول القضايا الكبرى إلى خلافات بين أسماء وأشخاص ومناطق. وحين تتسع الرؤية، تتكشف الحقيقة كما هي: معركة أفكار وخيارات ومشاريع متناقضة لا يمكن أن تجتمع في خندق واحد.
ولذلك، فليست القضية اليوم معركة بين يافع ويافع، ولا بين أبناء البيت الواحد، ولا بين أبناء الجغرافيا الواحدة. فالأرض لا تحارب نفسها، والدم لا يعادي الدم، والتاريخ لا يدخل في خصومة مع تاريخه.

القضية أعمق من ذلك بكثير.
إنها معركة بين من يرى الوطن قراراً مستقلاً لا يُباع ولا يُشترى، وبين من اعتاد أن يربط مصيره بإرادة الآخرين.
معركة بين من ينتمي إلى تراب الأرض التي ولد عليها، وبين من أصبح انتماؤه الحقيقي للمكان الذي تأتي منه التعليمات وتُصرف منه الامتيازات.
بين من يقيس مكانته بحجم حضوره في قلوب الناس، وبين من يقيسها بحجم أرصدته وأملاكه وعلاقاته ومصالحه الخاصة.
هناك من ينظر إلى الشعب باعتباره الأصل الذي تُبنى عليه السياسة، وهناك من ينظر إلى الشعب باعتباره مجرد رقم يمكن تجاوزه كلما تعارض مع حسابات النفوذ والثروة.
إنها معركة بين من يسمع أنين الأمهات ووجع الآباء وصرخات الثكالى، وبين من يتعامل مع الدم باعتباره رقماً عابراً في تقرير يومي.
بين من يرى أبناءه الذين سقطوا في الصحاري والوديان شهداء لقضية يؤمن بها، وبين من يجد نفسه مضطراً لتبرير موتهم، أو مباركة قاتليهم، أو الصمت عن حقهم خشية أن تهتز مصالحه أو تتضرر حساباته.

وفي لحظات التحول الكبرى، لا يعود السؤال: من أي منطقة أنت؟ ولا إلى أي قبيلة تنتمي؟ ولا أي اسم تحمله؟
السؤال الوحيد الذي يفرض نفسه هو: إلى أي مشروع تنتمي؟
هل تقف مع حق الناس في أن يملكوا قرارهم؟ أم مع استمرار الوصاية عليهم؟

هل تنحاز إلى المستقبل الذي يصنعه أبناء الأرض؟ أم إلى الماضي الذي يصر على العودة بأشكال جديدة وأدوات مختلفة؟
كل المعارك الكبرى في التاريخ انتهت إلى هذا الاختبار البسيط: اختبار الموقف.

فالأوطان لا تتذكر أسماء المترددين طويلاً، لكنها تحفظ جيداً أسماء الذين اختاروا مواقعهم بوضوح عندما كان الصمت أكثر ربحاً، والانحياز للحق أكثر كلفة.
ولهذا، فالمسألة ليست معركة أشخاص ولا مناطق ولا عائلات.
إنها معركة بين مشروعين لا يلتقيان.
مشروع يريد للإنسان أن يكون سيد قراره فوق أرضه.
ومشروع يريد له أن يبقى تابعاً مهما تغيرت الشعارات.
وبين هذين المشروعين يقف الجميع أمام اختيار لا ثالث له:
إما أن تكون مع حق الضحية في الحياة والكرامة والحرية.
أو أن تكون مع اليد التي تواصل إنتاج الضحايا.
تلك هي كل الحكاية.

عدن - الجمعة الموافق 5 يونيو 2026م