آخر تحديث :الجمعة - 19 يونيو 2026 - 02:11 ص

كتابات واقلام


الجنوب والسعودية: قراءة في تناقضات سياسة لم تعد تخفي وجهها

الأربعاء - 17 يونيو 2026 - الساعة 11:09 ص

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


في المشهد السياسي العربي الراهن، قلما نجد تناقضاً أكثر وضوحاً من الموقف السعودي من القضية الجنوبية. فبينما تُعلن الرياض دعمها للشرعية والاستقرار في اليمن، تتحرك على الأرض بخطى ثابتة نحو إجهاض أي مشروع جنوبي مستقل، وكأنها تريد للجنوب أن يظل رهينة المعادلات الشمالية التي أثبتت فشلها على مدى عقود.

الحقيقة التي لا تحتمل التأويل أن السعودية لم تكتفِ بالوقوف حيالاً متفرجاً على مشروع استعادة الدولة الجنوبية، بل تدخلت عسكرياً وسياسياً لإفشاله. حين قصفت القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة، لم تكن تقاتل "متمردين" أو "خارجين عن النظام"، بل كانت تقاتل جيشاً كان قد أنهى تواجد قوات الاحتلال الشمالي على أرضه، وأوشك على ترسيم حدوده الجغرافية التي كانت قائمة قبل عام 1990. إنه تدخل لا يختلف في جوهره عن أي احتلال، غايتة الوحيدة منع إعلان الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن.

القضية ليست شخصية، رغم ما يروج له البعض. استهداف الرئيس عيدروس الزبيدي، بدءاً من إسقاطه من منصب نائب رئيس مجلس القيادة وصولاً إلى الحديث عن عقوبات بحقه، ليس انتقاماً من رجل، بل هو محاولة ممنهجة لقطع الرأس عن جسد المشروع الجنوبي. فالزبيدي لم يعد مجرد قائد عسكري، بل أصبح رمزاً للخيار الاستقلالي الذي يرفض العودة إلى القيد الشمالي بأي شكل من الأشكال. ولأن السعودية تدرك ذلك، فإنها تضرب في الرمز لتثبيط الجميع.

التناقض الأكبر يكمن في أن الرياض تخوض حرباً ضارية ضد الحوثي في الشمال بحجة التصدي للنفوذ الإيراني، بينما تمارس في الجنوب ذات السياسات التي تخدم الحوثي في النهاية. فالحوثي لا يمكنه اليوم فرض سيطرته على عدن أو المكلا إلا بدعم سعودي غير مباشر، عبر إضعاف القوة الجنوبية الوحيدة القادرة على مواجهته. إنها لعبة خطيرة، تضع الرياض في مواجهة مع مشروع شعبي لن يموت بالتصريحات أو العقوبات.

التاريخ يعيد نفسه، لكن الجنوبيين تعلموا الدرس. حين أصدر علي عبدالله صالح حكم الإعدام بحق عيدروس الزبيدي عام 1994، ظن أنه قضى على الخيار الجنوبي، لكن الرجل عاد بأقوى مما كان، وقاد معارك التحرير في أبين وشبوة، وكتب اسمه في سجل الانتصارات الوطنية. اليوم، ومع ترديد سيناريوهات العقوبات والعزل، يتجاهل المخططون أن الضغوط الخارجية لم ولن تكسر إرادة شعب عرف كيف يصنع مجده تحت وطأة أقوى الآلات العسكرية.

ما المطلوب اليوم؟ ليس الانغلاق، ولا قطع الجسور مع الأشقاء، ولكن المراجعة الواعية للعلاقة. فالجنوب ليس ورقة تفاوضية تُمسح بها صفقات سياسية بين الرياض وطهران، وليس هدية يمكن تقديمها لصنعاء مقابل تسوية ما. الجنوب مشروع قائم على إرادة أبناءه، وهذه الإرادة لا تُشترى بالمال ولا تُكسر بالقوة.

حان وقت القول بأن التحالف الاستراتيجي يجب أن يقوم على أساس الندية والاحترام المتبادل، لا على الوصاية والتدخل. وعلى السعودية أن تختار: إما أن تكون شريكاً في بناء مستقبل الجنوب، أو أن تراهن على خيول خاسرة في سباق التاريخ.

أما الجنوب، فهو كالنخلة، كلما حاولت الرياح العاتية أن تذله، ازدادت جذوره رسوخاً في عمق الأرض. وكل من راهن على زواله، راهن على وهم لن يتحقق.

الصحفي صالح حقروص
2026/6/17م