آخر تحديث :السبت - 08 أغسطس 2026 - 03:59 م

كتابات واقلام


المشهد اليمني: تقاطعات المصالح الدولية وارتدادات الأزمة

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 03:32 م

جميل الشعبي
بقلم: جميل الشعبي - ارشيف الكاتب


تحت قناع الصراع المحلي والإقليمي، يتبدى المشهد اليمني كواحدة من أكثر الأزمات تعقيداً وتشابكاً في التاريخ الحديث، حيث تحرك خيوطها استراتيجيات كبرى تتجاوز بكثير حدود الجغرافيا اليمنية.

# التحول في الترسانة العسكرية: من الهشاشة إلى التهديد الاستراتيجي
عند انطلاق عاصفة الحزم في عام 2015، كانت القدرات العسكرية لجماعة الحوثي محدودة للغاية وتقتصر على أسلحة خفيفة ومتوسطة تقليدية. ولم تكن الجماعة تمتلك أي قدرات ذات بال في مجال الصواريخ البالستية أو الطائرات المسيرة (المسيّرات).
ولكن، على مدار السنوات التالية، شهدت ترسانة الحوثي تطوراً نوعياً هائلاً مكّنها من تهديد خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، فضلاً عن استهداف عمق دول الجوار وصولاً إلى إطلاق الصواريخ نحو تل أبيب. هذا التحول النوعي يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الإمداد العسكري وطرق تهريب التكنولوجيا المتقدمة عبر منافذ خاضعة لحصار بري وبحري وجوي مشدد، مما يعزز الفرضيات القائلة بوجود تسهيلات أو غض طرف دولي مقصود.

# محطات حاسمة: الفرص الضائعة في معركة الحديدة
يمثل توقف العمليات العسكرية على أبواب *مدينة الحديدة في عام 2018* علامة فارقة في مسار الحرب. فقد كانت القوات المشتركة والتحالف على وشك السيطرة على الميناء الاستراتيجي، وهو الشريان الرئيسي الأخير المتبقي لدخول الإمدادات والموارد المالية والعسكرية للحوثيين.
إن إيقاف تلك المعركة تحت ضغوط دبلوماسية دولية بحجة الاعتبارات الإنسانية أجهض فرصة الحسم العسكري الميداني، وأتاح للجماعة التقاط أنفاسها، وترتيب صفوفها، وتحويل الساحل الغربي إلى جبهة استنزاف طويلة الأمد، ما يعكس تباين الأجندات الإقليمية والدولية حول مخرجات الحرب النهائية.

# البعد الدبلوماسي: شرعنة الأمر الواقع
يتجلى التناقض الدولي في التعامل مع الملف اليمني من خلال المحطات الدبلوماسية المرتبطة بإدارة الوجود الإيراني في صنعاء:

#دخول السفير الإيراني: إن وصول سفير إيراني إلى صنعاء والاعتراف بسلطة الأمر الواقع يمثل اعترافاً ضمنياً غير مباشر، وتجاوزاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

#استمرار التمثيل الدبلوماسي:
الأبعد من ذلك هو تكريس هذا الواقع الدبلوماسي وإعادة إرسال سفير آخر بعد مقتل الأول، وهو ما يعكس عجز المنظومة الدولية، أو بالأحرى رغبتها في إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع طهران عبر وكلائها، دون وجود إرادة حقيقية لتقويض نفوذهم.

### تقاطعات المصالح الدولية الكبرى


لا يمكن اختزال بقاء الحوثي في القدرات الذاتية للجماعة، بل يندرج ضمن حسابات معقدة تقف خلفها قوى دولية كبرى (الولايات المتحدة، بريطانيا، روسيا، والصين):
#حفظ التوازن: ترغب القوى الكبرى في إبقاء مناطق التوتر الاستراتيجية – مثل باب المندب وخليج عدن – تحت إدارة قوى أمر واقع يسهل الضغط عليها أو تفاوضها، بما يضمن استمرار السيطرة على مفاصل التجارة العالمية وأمن الطاقة.
#الاستنزاف المتبادل:تسهم الأزمة في استنزاف قدرات المنطقة وإبقائها رهينة للمعادلات الأمنية الغربية، حيث تُدار الأزمات ولا تُحل، لضمان استمرار حاجة دول المنطقة للمظلة الأمنية الغربية.
### الخلاصة الاستراتيجية
إن استمرار المراوحة السياسية والعسكرية في اليمن يشير بوضوح إلى أن الحرب لم تعد مجرد نزاع محلي، بل أداة بيد القوى الكبرى لإدارة مصالحها الإستراتيجية. ومتى ما تضررت هذه المصالح أو توافقت تلك القوى على تسوية نهائية تضمن استقراراً يخدم أجنداتها، فإن المشهد اليمني قابل للتغيير الجذري في زمن قياسي. وحتى ذلك الحين، يظل الشعب اليمني رهينةً لمعاناة ممتدة ومستقبل غامض الملامح.