آخر تحديث :السبت - 08 أغسطس 2026 - 02:48 م

كتابات واقلام


الحوثي... بين وهم القوة وحقيقة الظروف

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 01:55 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


يرى الحوثي نفسه اليوم قوةً كبيرة قادرة على فرض مشروعه، رغم أنه يدرك قبل غيره طبيعة الظروف التي أوصلته إلى السلطة. فقد كان للصراعات الداخلية، والانقسامات السياسية، والدعم الذي تلقاه من بعض الأطراف الإقليمية والدولية، دورٌ أساسي في صعوده وتمكنه من السيطرة على العاصمة صنعاء.
وقبل وصوله إلى السلطة، وأثناء وجوده في معقله بصعدة، كان الحوثي يعلن تأييده لقضية الجنوب، ويؤكد حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم، حتى إن اختاروا استعادة دولتهم الجنوبية وعاصمتها عدن. إلا أن موقفه تغيّر بعد وصوله إلى السلطة، حيث دخل في تحالف مع علي عبد الله صالح، وانتهى هذا التحالف بالمشاركة في الحرب على الجنوب عام 2015، في محاولة لفرض السيطرة العسكرية عليه، قبل أن ينقلب التحالف لاحقًا وينتهي بمقتل صالح.
وكان مشروع الحوثي الأساسي يتمثل في استعادة حكم الإمامة في الجمهورية العربية اليمنية، وهو ما يراه أنصاره حقًا تاريخيًا لهم. لكنه في الوقت ذاته أصبح يعارض حق الشعب الجنوبي في الاستقلال واستعادة دولته جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على حدود ما قبل عام 1990، رغم أن الجنوب كان دولة مستقلة ذات سيادة، وعضوًا في الأمم المتحدة والجامعة العربية، ويحظى باعتراف دولي.
وفي عام 1990، توحدت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مع الجمهورية العربية اليمنية في إطار دولة الوحدة. إلا أنه بحلول عام 1994، وصل الجنوبيون إلى قناعة بأن استمرار الوحدة بصيغتها القائمة أصبح غير ممكن، وأُعلن عن استعادة دولة الجنوب تحت اسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وبدلًا من معالجة الخلافات بالحوار أو قبول خيار انهاء الوحدة كما حدث في تجارب وحدوية أخرى مثل الوحدة السورية المصرية، اندلعت حرب على الجنوب انتهت بالسيطرة العسكرية وفرض الوحدة بالقوة.
وكان من الممكن أن يؤدي اعتراف الحوثي بحق الجنوبيين في استعادة دولتهم إلى تعزيز فرصه في تحقيق مشروعه السياسي في الشمال، لكنه اختار بدلًا من ذلك بناء تحالفات مع قوى شمالية مختلفة. وهذه التحالفات جاءت بالتنسيق مع السعودية، بهدف مواجهة مشروع استقلال الجنوب واستعادة دولته وعاصمتها عدن، بكل الوسائل الممكنة.

كما أن الحوثي لم يستفد من تجربة تحالفه السابق مع علي عبد الله صالح، الذي انتهى بنتائج عكسية وأدى إلى انهيار الشراكة بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، فإن القوى التي تتحالف معه اليوم لا تسعى إلى عودة نظام الإمامة في شمال اليمن، كما أنها لا تؤيد عودة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، مما يجعل هذه التحالفات قائمة على تقاطع مصالح مرحلية أكثر من كونها توافقًا على مشروع سياسي مشترك.
إن مستقبل الحوثي ومشروعه يرتبط بمدى استمرار الظروف السياسية والعوامل التي ساعدت على صعوده، وأي تغير في هذه المعادلات قد ينعكس بشكل مباشر على قدرته على الاستمرار. وهذه حقيقة يدركها كثيرون، حتى وإن تجنبوا الحديث عنها بصورة واضحة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التاريخية أن القوة التي تقوم على ظروف استثنائية لا يمكن أن تُقاس بقوة الجذور والثبات. فالصعود السياسي لا يعني بالضرورة امتلاك المستقبل، والتاريخ لا تصنعه لحظات الغرور أو أوهام القوة، بل تصنعه إرادة الشعوب وتوازنات الواقع. وكل قوة لا تدرك حدودها قد تجد نفسها يومًا أمام الظروف ذاتها التي صنعت صعودها، وهي الظروف التي قد تصنع نهايتها.