آخر تحديث :الخميس - 18 يونيو 2026 - 12:29 ص

كتابات واقلام


لماذا اختارت الشرعية اليمنية محاكمة مرحلة من الصراع وتجاهلت الحوثي؟

الخميس - 18 يونيو 2026 - الساعة 12:11 ص

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


وهل تسقط الجرائم الإنسانية بالتقادم؟

يثير الحديث عن المحاكمات المرتبطة بالأحداث التي شهدتها اليمن خلال السنوات الماضية أسئلة قانونية وسياسية معقدة، لعل أبرزها: هل تسقط الجرائم الإنسانية بالتقادم؟ وإذا كانت لا تسقط، فلماذا تتركز بعض الإجراءات القضائية على مرحلة معينة من الصراع بينما تبدو ملفات أخرى أكثر دموية وتعقيداً بعيدة عن دائرة الملاحقة؟
من الناحية القانونية البحتة، فإن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني تعد من أخطر الجرائم التي عرفتها البشرية. ولهذا اتجه القانون الدولي الحديث إلى عدم إخضاعها للتقادم الزمني، انطلاقاً من مبدأ أن فداحة الجريمة لا ينبغي أن يمنحها الزمن حصانة أو حماية من المساءلة. ولذلك ما تزال محاكم وهيئات دولية تنظر في جرائم ارتكبت قبل عقود طويلة، لأن العدالة الدولية لا تعترف بفكرة أن مرور الوقت يمحو المسؤولية عن الجرائم الكبرى.
لكن السؤال الأكثر حساسية في الحالة اليمنية لا يتعلق بالتقادم بقدر ما يتعلق بالانتقائية. فإذا كانت المعايير القانونية واحدة، فلماذا يتم فتح ملفات مرتبطة بمحطات معينة من الصراع السياسي والعسكري، بينما لا نشهد المسار ذاته تجاه ملفات أخرى ارتبطت بالحرب المستمرة منذ سنوات وما خلفته من آلاف الضحايا والنازحين والانتهاكات الموثقة؟
هنا ينتقل النقاش من القانون إلى السياسة. فالقضاء، في الدول المستقرة، يفترض أن يتحرك وفقاً للوقائع والأدلة فقط، لكن في البيئات المنقسمة سياسياً يصبح من الصعب فصل القانون عن موازين القوى والحسابات السياسية. ولذلك يطرح كثيرون تساؤلات مشروعة حول أسباب التركيز على أحداث بعينها دون غيرها، وما إذا كانت الأولوية القانونية تحددها جسامة الجرائم أم اعتبارات الصراع القائم.
أما فيما يتعلق بالحوثيين، فإن الواقع القانوني والسياسي أكثر تعقيداً. فالحوثيون طرف رئيسي في النزاع اليمني، وقد وُجهت إليهم من جهات دولية وتقارير أممية ومنظمات حقوقية اتهامات متعددة تتعلق بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
غير أن تحويل هذه الاتهامات إلى محاكمات فعلية يحتاج إلى أدوات تنفيذ واختصاص قضائي وإرادة سياسية محلية ودولية، وهي عوامل ما تزال محل نزاع وتجاذب حتى اليوم.
ومع ذلك، فإن غياب المحاكمة اليوم لا يعني سقوط المسؤولية غداً. فالكثير من ملفات النزاعات المسلحة حول العالم ظلت مجمدة لسنوات طويلة قبل أن تعود إلى الواجهة عندما تغيرت الظروف السياسية أو توفرت آليات العدالة المناسبة. ولهذا فإن مبدأ المساءلة لا يرتبط دائماً بظرف زمني محدد، بل بقدرة المؤسسات القضائية على الوصول إلى الحقيقة وتطبيق القانون.
إن العدالة الحقيقية لا تكتمل عندما تختار جزءاً من المشهد وتتجاهل الجزء الآخر. فالقانون يفقد كثيراً من هيبته حين يُنظر إليه باعتباره أداة لتصفية الحسابات السياسية، بينما يكتسب قوته واحترامه عندما يطبق على الجميع دون استثناء أو انتقائية. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس لماذا يُحاكم هذا الطرف أو ذاك، بل لماذا لا تشمل المساءلة جميع الأطراف التي ارتبطت بها اتهامات وانتهاكات خلال سنوات الصراع اليمني.
فالضحايا لا يسألون عن هوية الجاني بقدر ما يسألون عن العدالة، والعدالة بطبيعتها لا تتجزأ.

الأربعاء 17 يونيو 2026م