آخر تحديث :السبت - 20 يونيو 2026 - 04:51 م

كتابات واقلام


الانتقائية في استهداف الجنوب تثير تساؤلات حول استقلال القضاء

السبت - 20 يونيو 2026 - الساعة 03:27 م

عبدالقادر باراس
بقلم: عبدالقادر باراس - ارشيف الكاتب


سواء اختلفنا أو اتفقنا مع عيدروس الزبيدي، فإننا نرى أن المستهدف الحقيقي من طلب الحكومة اليمنية مجلس الأمن الدولي إدراج الزبيدي في قائمة العقوبات لتقويضه مؤسسات الدولة، وكذا قرار النائب العام الأخير بشأن الحجز التحفظي على أموال وأرصدة المجلس الانتقالي الجنوبي، أن كل تلك التهم لا تستهدف الزبيدي وحده ولا المجلس الانتقالي، بل تعني قضية الجنوب بأكملها، فاسمه والمجلس يُستخدمان فقط كشماعة لتبرير الاستهداف. وإذا كانت تهمة الزبيدي خيانة الوطن، فإن ذلك يعني أن كل أبناء الجنوب يُنظر إليهم بالمنطق ذاته.

الانتقالي لم يكن استثنائيًا في حصوله على الإيرادات، بل كان يأخذها كبقية الأطراف، وبموافقة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المشاركة فيه، لتغطية نفقات قواته، وكانت تُصرف عبر البنك المركزي وبعلم وزارة المالية. وإذا كان ثمة حديث عن مخالفات مالية، فإنه ينبغي أن يشمل جميع الأطراف التي تدير موارد وإيرادات بطرق مختلفة، ولا يتم توريدها كاملة إلى البنك المركزي، لا أن يُختزل الأمر في الانتقالي دون غيره.

والمفارقة أن القرارات صدرت ضد الانتقالي من أطراف لا تزال مشاركة في ممارسات الفساد، فلماذا لا تتم محاسبتهم، خصوصًا من سلّموا الجبهات، وباعوا السلاح للحوثي، ومن نهبوا المال العام، ولا يزالون مستغلين نفوذهم بغطاء الشرعية؟ فالعدالة الحقيقية لا تتحقق باستهداف أفراد بعينهم أو طرف واحد وتجاهل آخرين، بل بإخضاع جميع المتورطين في الفساد والانتهاكات للمساءلة دون استثناء. أما الانتقائية، فإنها تكرّس الشعور بالظلم، وتحوّل المحاسبة من أداة لإحقاق الحق إلى وسيلة تخدم مصالح وأجندات سياسية.

كما أن قرار الحجز التحفظي على أموال وأرصدة المجلس الانتقالي الجنوبي يثير تساؤلات قانونية جوهرية، كونه صدر، بحسب ما يُثار حوله، دون حكم قضائي نهائي، أو اتهام قانوني محدد، أو استكمال للإجراءات الجزائية اللازمة، الأمر الذي يفتح الباب أمام التشكيك في مشروعيته القانونية والدستورية، ويعزز المخاوف من توظيف مؤسسات العدالة ضمن إطار الصراع السياسي بدلًا من الالتزام بمبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء.

وإذا كانت النخب والأطراف الشمالية المسماة بالشرعية جادة في مكافحة الفساد واستعادة الأموال العامة، فكان المطلوب منها تطبيق معايير موحدة على الجميع، بفتح ملفات جميع الشخصيات السياسية والعسكرية والدبلوماسية التي تولّت مواقع المسؤولية منذ عام 1990 وحتى يومنا هذا، ومحاسبة كل من ثبت تورطه في نهب المال العام أو استغلال السلطة، وإلزامه بإعادة الأموال إلى خزينة الدولة. فالمواطن لا يريد قرارات انتقائية تستهدف طرفًا سياسيًا بعينه، بل يريد عدالة شاملة تُطبق على الجميع دون تمييز.

ولا تقتصر تساؤلاتنا حول تلك القرارات القضائية الأخيرة فحسب، بل تمتد أيضًا إلى بعض الإجراءات المرتبطة بالسلطة القضائية نفسها، ومنها منح أعضاء السلطة القضائية في المحافظات المحررة مكرمة شهرية إضافية من السعودية إلى جانب رواتبهم المنتظمة، في الوقت الذي يعاني فيه المعلمون والأطباء وغيرهم من موظفي الدولة من انقطاع مستمر للرواتب. كما أن تزامن هذه الامتيازات مع صدور القرارات الأخيرة المتعلقة بالمجلس الانتقالي الجنوبي يطرح لدى كثيرين علامات استفهام وتساؤلات حول طبيعة هذه الإجراءات وخلفياتها، ومدى ارتباطها باعتبارات تتجاوز الإطار القانوني والقضائي، خصوصًا في ظل حالة الاستقطاب السياسي التي تشهدها البلاد. ومن المعروف أن القضاء سلطة مستقلة ومحايدة، ومن المفترض أن يبقى بعيدًا عن أي إجراءات سياسية أو تلقي امتيازات قد تثير الشكوك حول استقلالية قراره أو تنعكس سلبًا على صورته وهيبته أمام الرأي العام.

عبدالقادر باراس
20 يونيو 2026م