آخر تحديث :الإثنين - 22 يونيو 2026 - 08:38 م

كتابات واقلام


فرحة المرمى.. وقهر السياسة

الإثنين - 22 يونيو 2026 - الساعة 07:38 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


عندما تحكي كرة القدم ما يعجز عنه السياسيون


لم تكن هزيمة المنتخب السعودي أمام إسبانيا بأربعة أهداف مجرد نتيجة رياضية عابرة في استادٍ مونديالي، بل تحولت في شوارع المدن والمحافظات الجنوبية إلى مرآة عاكسة لحالة نفسية جنوبية جامحة، حملت بين ثناياها أكثر من مجرد شماتة رياضية. كان الاحتفال الجنوبي بتلك الهزيمة صرخة مدوية في وجه سياسات الرياض، وكأن الجماهير تقول بصوت واحد: "نحن لا نحتفل بفوز إسبانيا، بل بخسارة من ظلمنا".

الجسر الذي حرقه الطيران السعودي

قبل ذلك الاحتفال وفي مطلع شهر يناير 2026، هزّت أنباء القصف الجوي السعودي محافظتَي حضرموت والمهرة، وسقط مئات الجنود الجنوبيين بين قتيل وجريح، في مشهد يرقى ليكون طعنةً في الظهر من حليفٍ قاتلوا إلى جانبه سنينَ طويلة ضد الحوثيين. بل إن المفارقة الأكثر إيلاماً أن هذه القوات التي استهدفتها الطائرات السعودية، كانت موجودة هناك بموجب "اتفاق الرياض" الذي وقّعته السعودية بنفسها وضمنته، ليكون القصف نقضاً للعهد قبل أن يكون عدواناً عسكرياً.

علم التوحيد.. وسقوط القداسة

والأكثر إيلاماً في المشهد، أن القصف جاء بطائرات ترفع علم التوحيد؛ ذلك الرمز الذي يحمل في طياته أسمى معاني الدين والعدالة. وهذا ما جعل الجرح الجنوبي أعمق، حين رأى أبناء الجنوب أن راية "لا إله إلا الله" تحرقهم وتقتلهم، بدلاً من أن تحميهم. فكيف يُقبل أن يتحول رمز القداسة إلى أداة قمع ضد حليف قدّم آلاف الشهداء في دفاعه عن العمق السعودي؟ هنا يطرح السؤال نفسه بقسوة: هل العدالة أن يُكافأ الشريك بالخيانة، والمقاتل بالخنجر؟

ثلاثون عاماً من الاحتلال.. وخطوة واحدة نحو الحلم

يعاني الجنوب العربي منذ أكثر من ثلاثة عقود من هيمنة الشمال وسلب ثرواته، وعندما كانت أنفاس الحرية تصل إلى عنان السماء، وتكاد حدود 1990 تعود إلى الخريطة، جاء التدخل السعودي ليعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويمكّن قوات الاحتلال من جديد، ويفرض واقعاً مأساوياً يُرفض شعبياً. إن هذه السياسة التناقضية تكشف أن السعودية لم تكن يومًا مع استقلال الجنوب، بل كانت وما زالت عائقاً أمامه، رغم كل التصريحات الداعمة التي تذروها الرياح.

صرخة رياضية.. وجرس إنذار سياسي

ما حدث في الشوارع الجنوبية ليس تشفياً رياضياً، بل هو تجلٍّ لخيبة أمل متراكمة، وتحول في المزاج الشعبي نحو العداء، وهو ما يجب أن يُقرأ في الرياض كجرس إنذار لا يُحتمل تجاهله. إن احتفال الجنوبيين بهزيمة المنتخب السعودي هو المؤشر الأصدق على أن العلاقة وصلت إلى نقطة الغليان، وأن الثقة التي كانت رباطاً بين الجانبين قد تهشمت على صخور القصف والخيانة.

الخلاصة: مودة الشعوب لا تُعوّض

قبل فوات الأوان، على صناع القرار في السعودية أن يدركوا أن خسارة قلوب حلفاء الجنوب هي أخطر بكثير من أي هزيمة رياضية أو حتى سياسية. فالمودة والثقة أصولٌ يصعب استعادتها حين تفقد، وإن استمر التعامل مع الجنوب بهذا القهر والاستعلاء، فلن تبقى سوى كراهية عميقة ستتحول إلى وقود لأجيال قادمة. الجنوب اليوم يقول كلمته بوضوح من خلال كرة القدم، فهل تسمع الرياض هذه الصرخة قبل أن يكتب التاريخ أن السعودية خسرت حليفاً لم تخسر به مباراة، بل خسرت به قلب أمة بأكملها؟

الصحفي صالح حقروص
2026/6/22م