آخر تحديث :الجمعة - 26 يونيو 2026 - 12:10 ص

كتابات واقلام


حين تصبح الأعراض ساحة للعبث

الخميس - 25 يونيو 2026 - الساعة 11:20 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في زمن تتسارع فيه الكلمات أكثر من العقول، وتنتشر فيه الاتهامات أسرع من الحقائق، باتت أعراض الناس هدفًا سهلًا للبعض، يقتحمونها دون وازع من دين أو ضمير أو مسؤولية. وما كان في الماضي يُقال همسًا خلف الأبواب المغلقة، أصبح اليوم يُنشر بضغطة زر، ويتداوله الآلاف في دقائق معدودة، وكأن كرامة الإنسان وسمعته أمران يمكن العبث بهما دون حساب.
لقد جعل الإسلام حفظ الأعراض من أعظم المقاصد التي جاءت الشريعة لصيانتها، ووضعها في منزلة رفيعة إلى جانب حفظ الدين والنفس والعقل والمال. ولم يكن ذلك من فراغ، فالعرض هو كرامة الإنسان ومكانته بين الناس، وإذا مُسَّ عرضه جُرح في أعماقه جرحًا قد لا يندمل مهما مرت السنوات.
ومن عظمة هذا الدين أنه لم يكتف بتحريم الكذب والبهتان والقذف، بل دعا إلى الستر وجعله خلقًا إيمانيًا رفيعًا. فالستر ليس مجرد سلوك اجتماعي حسن، بل هو توجيه رباني يحفظ تماسك المجتمع ويمنع انتشار الفضائح والشائعات والأحقاد. وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى العظيم حين حث على ستر الناس وعدم تتبع عوراتهم، لأن المجتمع الذي ينشغل بفضح بعضه بعضًا يفقد مع الوقت أمنه الأخلاقي واستقراره النفسي.
والمؤسف أن بعض الناس يتعاملون مع أعراض الآخرين وكأنها مادة للتسلية أو وسيلة لتصفية الحسابات أو تحقيق مكاسب شخصية وسياسية وإعلامية. فيتناقلون الشائعات، ويعيدون نشر الاتهامات، ويخوضون في النوايا والخصوصيات دون بينة أو دليل، غير مدركين أنهم قد يدمرون حياة إنسان وأسرة كاملة بكلمة عابرة أو منشور طائش.
إن أخطر ما في هذا السلوك أنه لا يقف عند حدود الفرد المستهدف، بل يمتد أثره إلى المجتمع كله. فعندما تصبح السمعة مستباحة، يفقد الناس الثقة ببعضهم البعض، وتنتشر الكراهية، ويتحول الفضاء العام إلى ساحة للتشويه والانتقام بدلًا من أن يكون مساحة للحوار والاختلاف المحترم.
كما أن التوسع في تداول ما يمس الأعراض يربي الأجيال الجديدة على ثقافة التجسس والتشهير، ويجعل انتهاك الخصوصية أمرًا طبيعيًا في نظر البعض. وحين يعتاد المجتمع على ذلك، يصبح كل فرد مهددًا بأن يكون ضحية في أي لحظة، لأن من يرضى بانتهاك أعراض الآخرين اليوم قد يجد نفسه غدًا في الموقع ذاته.
ومن المؤسف أيضًا أن كثيرًا ممن يخوضون في أعراض الناس يظنون أنهم يحققون انتصارًا مؤقتًا أو يكسبون معركة عابرة، بينما الحقيقة أنهم يخسرون شيئًا أكبر: احترامهم لأنفسهم واحترام المجتمع لهم. فالناس قد تنسى تفاصيل الخلافات، لكنها لا تنسى من اعتاد التشهير والإساءة والطعن في الكرامات.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الفضائح، بل إلى مزيد من الوعي. ليست إلى تتبع الزلات، بل إلى نشر ثقافة الستر والإصلاح. فالمجتمعات القوية لا تُبنى على كشف العيوب ونشرها، وإنما على معالجة الأخطاء وتقويمها وحفظ كرامة الناس.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل إنسان على نفسه قبل أن يكتب أو ينشر أو يتحدث: ماذا لو كان هذا الكلام عني أو عن أحد أفراد أسرتي؟ عندها فقط سيدرك حجم الألم الذي قد تسببه كلمة واحدة، وحجم المسؤولية التي يحملها كل من يجعل من أعراض الناس مادة للحديث والتداول.
فالستر رحمة، والتشهير فتنة، وبينهما يتحدد مستوى أخلاق الأفراد ورقي المجتمعات.