آخر تحديث :الأحد - 05 يوليو 2026 - 06:52 م

كتابات واقلام


العدالة الغائبة في التعيينات الحكومية

الأحد - 05 يوليو 2026 - الساعة 06:05 م

د/ عارف محمد عباد السقاف
بقلم: د/ عارف محمد عباد السقاف - ارشيف الكاتب


لم يعد ما نشهده اليوم في آلية التعيينات داخل مرافق الدولة مجرد خلل عابر، بل أصبح نهجا مكرسا يعكس أزمة عميقة في مفهوم إدارة الدولة وبناء المؤسسات. إذ باتت عملية إعادة تدوير المسؤولين من موقع إلى آخر ممارسة مألوفة، في تجاهل واضح للكفاءات الوطنية التي يفترض أن تكون العمود الفقري لأي مشروع دولة حقيقية.
المشكلة لا تكمن فقط في التدوير بحد ذاته، بل في المعايير التي تحكم هذه التعيينات، حيث تطغى المحسوبية والمناطقية و الانتماءات الحزبية والمصالح الشخصية على حساب الكفاءة والخبرة. ونتيجة لذلك، يتم تهميش و إقصاء كوادر مؤهلة من أبناء و خاصة محافظة عدن و الحوطة و تبن و زنجبار وجعار وغيرها من المناطق، رغم ما تزخر به هذه المناطق من طاقات علمية و قيادية قادرة على الإسهام الفاعل في إدارة الشأن العام.
في المقابل، نشهد تمكينا غير مبرر لأشخاص يتم الدفع بهم إلى مواقع تفوق قدراتهم، فقط لأنهم ينتمون إلى دوائر نفوذ ضيقة، أو تجمعهم روابط شخصية مع مراكز القرار. وهذا لا يمثل مجرد ظلم فردي للكفاءات المستبعدة، بل يشكل خطرا حقيقيا على بنية الدولة، إذ يؤدي إلى إضعاف المؤسسات، وتراجع مستوى الأداء، وتعميق فجوة الثقة بين المواطن والسلطة.
كما أن استقدام مسؤولين من خارج هذه المناطق وتوليهم مواقع قيادية فيها، رغم توفر الكفاءات المحلية، يعزز الشعور بالتهميش ويغذي الاحتقان الاجتماعي، ويهدد النسيج المجتمعي الذي يفترض أن يكون قائما على العدالة وتكافؤ الفرص. فالدولة التي لا تنصف أبناءها ولا تعترف بقدراتهم، تفقد تدريجيا شرعيتها المعنوية في نظرهم.
إن بناء دولة عادلة لا يمكن أن يتحقق في ظل هذه الممارسات، لأن العدالة تبدأ من تكافؤ الفرص، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب. كما أن التنمية الحقيقية لا تصنعها الولاءات الضيقة، بل تصنعها الكفاءات حين تتاح لها الفرصة للعمل والإبداع.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى سيستمر هذا النهج؟ ومتى يدرك صناع القرار أن استمرار هذه السياسات لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور؟ إن تصحيح هذا المسار لم يعد خيارا، بل ضرورة وطنية ملحة تتطلب إرادة صادقة لإعادة الاعتبار للكفاءة، وإنصاف الكوادر المحلية، وبناء مؤسسات قائمة على المهنية لا على العلاقات.
إن الأمل لا يزال قائما، لكنه مرهون بقدرة القيادات على مراجعة سياساتها، والانتصار لمصلحة الوطن فوق أي اعتبارات أخرى. فالدولة لا تبنى بالمجاملات، بل بالعدل، ولا تستقر بالإقصاء، بل بالشراكة الحقيقية بين جميع أبنائها.